بهذه العبارات المتهكمة والنبرة المنفعلة، فجر رئيس الجلسة بمجلس النواب مواجهة لفظية ساخنة وغير متوقعة تحت قبة البرلمان المغربي، محولاً النقاش حول ملف حارق يمس جيوب الملايين مع اقتراب عيد الأضحى إلى مادة دسمة لـ"التريند" ومنصات التواصل الاجتماعي، التي اشتعلت بمقاطع الفيديو والتعليقات الساخرة.
المشهد السريالي تلت فيه الأيديولوجيا المتناقضة لغة الأرقام، وجاء كرد فعل غاضب من رئاسة الجلسة في مواجهة نواب مجموعة العدالة والتنمية المعارضة، الذين انتفضوا بقوة محتجين ومقاطعين لردود وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد صديقي، بشأن التدابير المتخذة لاستقبال موسم العيد.
"الرحبة" تشتعل والوزير يرى أضاحي بـ 1000 درهم
أصل الحكاية ومفجر هذا الغليان البرلماني كان دفاع وزير الفلاحة المستميت عن وفرة العرض وتنوع الأسعار، حيث صرح لتطمين الشارع بأن أسعار الأضاحي في المتناول وتبدأ من 1000 درهم؛ وهو الرقم الذي نزل كقطعة ثلج ساخنة داخل القاعة، حيث قوبل بتمتمات واحتجاجات عارمة من نواب المعارضة الذين اعتبروا التصريح منفصلاً تماماً عن الواقع المعيشي للمغاربة الذين يكتوون بغلاء الأعلاف وتداعيات الجفاف.
وأمام تشكيك النواب وصراخهم المتواصل، رد الوزير بحزم: "خرجوا للأسواق، أنا تنخرج للأسواق وتانشوف"، لتدخل رئاسة الجلسة على الخط محاولة ضبط القاعة المستعرة، وموجهة قذائفها اللفظية الساخرة نحو نواب "المصباح"، واصفة حركاتهم الاحتجاجية بالتحول نحو "الشيعية والشيوعية والماركسية" في مناكفة سياسية واضحة لحزب يتبنى المرجعية الإسلامية.
تناقض النبرة: مفارقات "السينما البرلمانية"
المثير في هذه المواجهة ليس طبيعة الخلاف السياسي بل التناقض الصارخ في نبرة الخطاب وصدمة المضامين، والتي يمكن تفكيكها إلى ثلاثة مستويات تحلل واقع المؤسسة التشريعية اليوم:
التناقض بين وقار القبة وكوميديا الأسلوب: ففي الوقت الذي يفرض فيه سياق الغلاء خطاباً رصيناً ومسؤولاً يبحث عن حلول تقنية لدعم القدرة الشرائية، هبطت نبرة الجلسة إلى أسلوب "المناوشات الشعبية" والقفشات المسرحية لضبط النظام، مما أفرغ النقاش من جديته.
التناقض بين لغة الأرقام وواقع "الرحبة": برزت فجوة تواصلية حادة بين نبرة الوزير "التقنية المطمئنة" المستندة إلى وجود أضاحي صغيرة أو ماعز بهذا السعر في الأسواق القروية النائية، وبين نبرة "الاحتقان" التي ينقلها النواب من الواقع، حيث يواجه المواطن أسعاراً خيالية للخراف العادية.
المفارقة الأيديولوجية الساخرة: تمثلت في تعمد رئيس الجلسة ضرب الهوية السياسية لحزب العدالة والتنمية عبر وسمه بنبرة تهكمية بمصطلحات (شيعية، شيوعية، ماركسية) تجمع أقصى اليمين بأقصى اليسار، ملمحاً إلى أن أسلوبهم الاحتجاجي يحاكي سلوك الرفاق القدامى في "البروباغندا".
الشارع الافتراضي يطلب "العناوين"
ولم تكد الجلسة تنتهي حتى تلقفت صفحات الفضاء الرقمي (خاصة تيك توك وفيسبوك) هذه الملاسنات بشهية مفتوحة. وامتزجت سخونة المشهد البرلماني بتهكم المواطنين؛ حيث تساءل المدونون بنوع من "المرارة الضاحكة" عن عناوين وإحداثيات تلك الأسواق التي يرتادها الوزير لشراء أضحية بـ 1000 درهم، مذكرين بأن "المنجل والمطرقة" أو "المصباح" لن يغيرا من حقيقة أن جيوب المواطنين أُنهكت تماماً.
إن تحويل ملف اجتماعي حارق إلى ساحة "لكلاشات" السياسية وصناعة "البوز"، يترك المواطن البسيط في نهاية المطاف وحيداً في مواجهة قسوة الواقع وتكاليف العيد، مكتفياً بمتابعة "العرض الكوميدي" الذي دارت فصوله تحت قبة البرلمان.