Preloader Image
news خبر عاجل
clock
عندما تمطر في مراكش… لا يعلو منسوب المياه فقط بل يرتفع منسوب الأسئلة التي لا تجد جواباً

عندما تمطر في مراكش… لا يعلو منسوب المياه فقط بل يرتفع منسوب الأسئلة التي لا تجد جواباً

لم تكن السماء هذه المرة مجرد مصدر للمطر، بل كانت كأنها تفتح ملفاً مؤجلاً وتضعه على طاولة النقاش دون استئذان. تساقطات قوية هزّت المدينة، لكن ما هزّ أكثر هو ما كشفته في دقائق: شوارع تتحول إلى مساحات مائية، حركة تختنق، ومشاهد تعيد طرح نفس السؤال المؤجل منذ سنوات. لم يكن المشهد مجرد أمطار غزيرة، بل كان اختباراً مباشراً… اختباراً لم ينجح في إخفاء ما يوجد تحت السطح.


ما وقع تجاوز بكثير حدود التساقطات، وكأن المدينة لم تُفاجأ فقط بالمطر، بل فُوجئت بنفسها. في زمن قياسي، عادت نفس النقاط السوداء لتطفو، بنفس التفاصيل، بنفس المعاناة، وبنفس الإحساس بأن شيئاً أساسياً لم يُعالج كما ينبغي. هنا، لا يعود النقاش حول قوة الأمطار، بل حول قدرة البنية التحتية على الصمود أمام ما هو متوقع، لا استثنائي.


وسط هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن إعادة تهيئة شوارع كبرى، دون أن تكون منظومة تصريف المياه في قلب هذه التهيئة؟ هل تم فعلاً الاشتغال على العمق، أم أن ما تحقق بقي حبيس الواجهة؟ وهل يعقل أن تُنجز مشاريع بملايين، بينما تستمر نفس الشوارع في الغرق عند أول اختبار حقيقي؟


الحديث عن الدراسات التقنية حاضر، لكن الواقع أكثر بلاغة. هل شملت هذه الدراسات رفع القدرة الاستيعابية لقنوات التصريف؟ هل تم احتساب سيناريوهات الضغط المرتبط بالتساقطات القوية؟ أم أن هذه التفاصيل، رغم أهميتها، لم تحظَ بالأولوية الكافية؟ وإذا كانت موجودة فعلاً، فأين أثرها اليوم في الشارع؟


الأمر لا يتعلق بحي واحد أو نقطة معزولة، بل بنمط يتكرر بشكل يثير القلق. أحياء بأكملها باتت تعرف مسبقاً كيف ستتفاعل مع أولى الأمطار القوية، وكأنها تعيش سيناريو محفوظاً. وهو ما يفتح باب التساؤل: هل هذه النقاط مدرجة فعلاً ضمن برامج التدخل؟ وإذا كانت كذلك، فما الذي يؤخر حلاً جذرياً؟ أم أن المقاربة المعتمدة تظل جزئية، تعالج النتائج وتترك الأسباب؟


قد يكون تدبير مدينة بحجم مراكش معقداً، لكن التعقيد لا يبرر إعادة إنتاج نفس الاختلالات. بل يدفع إلى سؤال أكثر وضوحاً: هل يتم ترتيب الأولويات بناءً على ما تحتاجه المدينة فعلاً، أم على ما يمنحها مظهراً أفضل فقط؟ وهل يمكن اعتبار تغيير الأرصفة والتبليط إنجازاً كاملاً، في غياب بنية تحتية قادرة على تحمل الضغط؟


في هذا السياق، يبدو المثل الشعبي “اش خاصك العريان… الخاتم أمولاي” أكثر من مجرد تعبير عابر، بل توصيف دقيق لوضع تُقدَّم فيه الكماليات على الضروريات. فهل كانت الأولوية فعلاً لما هو أساسي، أم لما يُرى ويُلتقط في الصور؟

دون إصدار أحكام جاهزة، تبقى هذه الأسئلة مشروعة، لأنها تنطلق من واقع يتكرر أمام الجميع. أسئلة تبحث عن إجابات واضحة: هل هناك تقييم حقيقي لما أُنجز؟ هل ستتم مراجعة الاختيارات؟ أم أن الأمطار ستظل، في كل مرة، الجهة الوحيدة التي تقوم بدور المساءلة الميدانية؟


إلى أن تظهر الإجابات، ستظل أمطار الخير في مراكش تحمل رسالة واضحة: ما لا يُقال في التقارير… تقوله الشوارع حين تغرق.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات