في مراكش، المدينة التي لا تنام، يبدو أن بعض المقاهي قررت أن لا تخضع أيضاً. فبين ضوء النيون الذي يمتد إلى ما بعد منتصف الليل، ودخان الشيشا الذي يتسلل بصمت إلى الأزقة، يطفو سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: هل نحن أمام نشاط منظم بقواعد واضحة، أم أمام واقع يُدار بمنطق “التأويل حسب الحاجة”؟
الحديث هنا لا يتعلق بمقاهٍ عادية، بل بفضاءات تقدم الشيشا في سياق قانوني ملتبس، حيث يظل الإطار المنظم لهذا النشاط محل نقاش مستمر. فهل تشتغل هذه المقاهي وفق تراخيص محددة تبيح هذا النوع من الخدمات؟ أم أن الأمر يدخل في منطقة رمادية تُترك لتقدير السلطات المحلية؟ ثم، كيف نفسر استمرار بعضها في العمل إلى ساعات متأخرة، في وقت يُفترض فيه احترام ضوابط زمنية محددة حفاظاً على النظام العام وراحة الساكنة؟
الأكثر إثارة للانتباه، وربما للقلق، هو ما يتم تداوله حول عودة بعض المقاهي التي سبق أن صدرت في حقها قرارات إغلاق. هنا، لا يتعلق الأمر بإثباتات جاهزة بقدر ما هو طرح لتساؤلات مشروعة: هل تم رفع تلك القرارات وفق المساطر القانونية المعمول بها؟ أم أن هناك من يراهن على ذاكرة قصيرة للمراقبة؟ وإذا كانت القرارات الإدارية قابلة للتنفيذ والإلغاء وفق شروط، فأين هي الشفافية في إطلاع الرأي العام على مآلاتها؟
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن المرحلة التي عرفت حملة توصف بـ”الشرسة” خلال فترة الوالي السابق فريد شوراق، حيث تم تسجيل تدخلات واسعة استهدفت عدداً من هذه الفضاءات. يومها، بدا أن هناك إرادة حقيقية لإعادة ترتيب هذا القطاع، وفرض نوع من الانضباط.
بين الأمس واليوم، تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كانت المقاهي المخالفة قد أُغلقت فعلاً، فكيف نفسر عودة بعضها إلى النشاط؟ وإذا كانت تشتغل حالياً بشكل قانوني، فلماذا يستمر الجدل حولها؟ هل نحن أمام نقص في التواصل المؤسساتي؟ أم أن هناك فجوة بين القرار والتنفيذ؟
بعيداً عن لغة الاتهام المباشر، يظل من حق الرأي العام أن يتساءل: من يضمن تكافؤ الفرص بين المستثمرين؟ وكيف يتم التعامل مع المخالفات بشكل يضمن المساواة أمام القانون؟ وهل تخضع جميع هذه الفضاءات لنفس معايير المراقبة، أم أن الواقع أكثر تعقيداً مما يظهر؟
إن ما تحتاجه مراكش اليوم ليس فقط حملات ظرفية، بل وضوحاً دائماً في القواعد، واستمرارية في التطبيق، وشفافية تُبدد الشك بدل أن تغذيه. فبين دخان الشيشا وأسئلة القانون، تظل الحقيقة عالقة في الهواء… تنتظر من يبدد ضبابها.