بين الحاجة إلى التريث وحق المواطن في المعلومة.. هل أصبح الصمت أحياناً أسلوباً غير معلن في تدبير الشأن العام؟
لم يعد الصمت في النقاش العمومي مجرد غياب للكلام أو تأخير في التوضيح، بل أصبح في كثير من الحالات جزءاً من المشهد نفسه، يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. ففي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتضاعف فيه مطالب المواطنين بالشرح والتفسير، يبدو أحياناً أن بعض الملفات تُدار بمنطق “الهدوء الطويل” بدل التواصل المباشر. هذا الصمت، سواء كان مقصوداً أو مفروضاً، يفتح باب التأويل على مصراعيه، ويجعل المواطن أمام فراغ معلوماتي يُملأ غالباً بالقراءات المتباينة والتساؤلات المتزايدة: هل هو أسلوب في التدبير؟ أم أنه غياب مؤقت للتوضيح في انتظار معطيات أكثر دقة؟
في الشأن العام، التواصل ليس مجرد تفصيل ثانوي، بل هو عنصر أساسي في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. وعندما يغيب التوضيح في اللحظات التي يكون فيها الرأي العام في أمسّ الحاجة إليه، تتشكل فجوة يصعب ردمها بسهولة. هذه الفجوة لا تبقى فارغة طويلاً، بل تمتلئ بسرعة بالشائعات أو التأويلات أو القراءات المتناقضة، ما يجعل فهم الواقع أكثر تعقيداً. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يؤدي الصمت أحياناً إلى تهدئة النقاش، أم أنه يساهم في تضخيمه بشكل غير مباشر حين يغيب التفسير الرسمي في الوقت المناسب؟
من جهة أخرى، لا يمكن النظر إلى الصمت دائماً باعتباره تقصيراً أو غياباً في التواصل، فبعض الملفات قد تتطلب فعلاً قدراً من التريث قبل تقديم المعطيات أو اتخاذ المواقف العلنية. في مثل هذه الحالات، يصبح الصمت جزءاً من منطق التدبير الحذر، خصوصاً عندما تكون المعطيات غير مكتملة أو عندما يكون القرار في طور التبلور. لكن التحدي الحقيقي يكمن في التوازن بين الحاجة إلى الدقة وضرورة الإخبار، وبين احترام مسار اتخاذ القرار وحق الرأي العام في الفهم والمتابعة. فإلى أي حد يمكن أن يستمر هذا التوازن دون أن يتحول الصمت إلى مصدر لعدم الوضوح؟
الأكثر تعقيداً أن طبيعة الزمن الحالي لا تمنح الكثير من الوقت للانتظار، فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المعلومة تنتشر بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وأصبح غياب التوضيح في لحظة معينة كافياً لخلق موجة واسعة من التساؤلات والتأويلات. في هذا السياق، لم يعد الصمت مجرد خيار تقني أو إداري، بل أصبح له أثر مباشر على النقاش العام وعلى طريقة تشكل الرأي لدى المواطنين. وهنا يتجدد السؤال: هل ما زال الصمت أداة فعالة في تدبير بعض الملفات، أم أنه أصبح في حد ذاته عنصراً يضاعف الضغط على المؤسسات بدل أن يخففه؟
في النهاية، يبدو أن الإشكال لا يتعلق بالصمت في حد ذاته بقدر ما يتعلق بوظيفته وحدوده. فبين صمت ضروري يفرضه منطق التريث، وصمت يُفهم كغياب للتواصل، تتشكل مساحة رمادية حساسة في تدبير الشأن العام. وفي ظل هذا الواقع، يبقى التحدي قائماً: كيف يمكن تحقيق توازن يحافظ على دقة القرار من جهة، ويضمن في الوقت نفسه حق المجتمع في الفهم والوضوح من جهة أخرى؟