Preloader Image
news خبر عاجل
clock
تسلطانت على صفيح ساخن.. بوعشرين يعيد فتح ملف الأرض التي أربكت الرأي العام

تسلطانت على صفيح ساخن.. بوعشرين يعيد فتح ملف الأرض التي أربكت الرأي العام

في السياسة كما في العقار، لا تتحول بعض الأراضي إلى ذهب بين ليلة وضحاها دون أن تثير الأسئلة. وحين يتعلق الأمر بعقار شاسع المساحة في قلب منطقة تعرف تحولات عمرانية متسارعة، وتكون أطراف الصفقة مرتبطة بأسماء تتولى مسؤوليات عمومية من الصف الأول، فإن النقاش لا يعود مجرد حديث عن بيع وشراء، بل يصبح نقاشاً حول الشفافية، وتكافؤ الفرص، وحدود التداخل بين النفوذ والمال.


هذا بالضبط ما أعاد الصحفي السابق توفيق بوعشرين طرحه على الطاولة من خلال حلقة من برنامجه "كلام في السياسة"، حيث سلط الضوء على ملف عقاري مثير للجدل بمنطقة تسلطانت ضواحي مراكش، يتعلق بأرض تعرف باسم "عائشة"، والتي قال إن مساحتها تتجاوز 66 هكتاراً، وإنها كانت موضوع عملية بيع سنة 2023 من طرف فاطمة الزهراء المنصوري وشقيقيها لفائدة شركة عقارية، مقابل ما يقارب 266 مليون درهم.


الرقم وحده كاف لإثارة الانتباه، لكن ما جعل الملف يخرج من دائرة المعاملات العقارية العادية إلى دائرة النقاش العمومي، هو ما تم تداوله بشأن طبيعة الأرض نفسها. فبحسب ما عرضه بوعشرين استناداً إلى معطيات ووثائق سبق أن جرى تداولها إعلامياً، فإن العقد المشار إليه تضمن إشارات تفيد بأن العقار كان يوصف كأرض ذات طبيعة فلاحية وغير قابلة للبناء وقت إبرام الصفقة، مع تنبيه المشتري إلى ضرورة التأكد من وضعيته لدى الإدارات المختصة.


وهنا يبدأ السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لعقار يوصف بهذه المواصفات أن يبلغ سعره، وفق الأرقام المتداولة، حوالي 400 درهم للمتر المربع؟ وهل كان المستثمر يشتري أرضاً فلاحية فقط، أم كان يشتري مستقبلاً عمرانياً كاملاً مرسوماً سلفاً في الأفق؟


الأسئلة هنا لا تستهدف حق الملكية، ولا تنازع أي شخص في حقه في بيع ممتلكاته الخاصة أو التصرف فيها وفق ما يسمح به القانون. لكن الإشكال الذي يثيره الرأي العام يتعلق بالسياق المحيط بالعملية. فالأمر يخص، بحسب ما تم تداوله، مسؤولة تتولى حقيبة التعمير والإسكان وسياسة المدينة، وتشغل في الوقت نفسه منصب عمدة مراكش، وهي مواقع تجعل أي عملية عقارية بهذا الحجم محط تدقيق وتساؤل مشروع من طرف المتابعين.


وإذا كانت كل المساطر سليمة كما تؤكد المعنية بالأمر في تصريحات سابقة، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تقديم توضيحات أكثر تفصيلاً للرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بأرض تقع داخل منطقة تعرف توسعاً عمرانياً كبيراً وتحظى باهتمام المستثمرين العقاريين.


المثير في الملف أن الجدل لم يتوقف عند حدود عملية البيع فقط، بل امتد إلى التساؤل حول القيمة الحقيقية للعقار لحظة إبرام الصفقة. فإذا كانت الأرض غير قابلة للبناء كما ورد في بعض الوثائق المتداولة إعلامياً، فإن الثمن يبدو مرتفعاً بشكل يثير الفضول. وإذا كانت الأرض مهيأة عمرانياً أو مشمولة بتصميم تهيئة يسمح بتثمينها مستقبلاً، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف متى تم ذلك؟ وكيف تم؟ وما هي الوثائق التي تؤكد هذه الوضعية؟


فاطمة الزهراء المنصوري سبق أن نفت، وفق تصريحات إعلامية متداولة، أن تكون الأرض فلاحية بالمعنى الذي يتم ترويجه، مؤكدة أنها كانت مشمولة بتصميم تهيئة تمت المصادقة عليه قبل توليها مسؤولياتها الحكومية الحالية، ونافية وجود أي علاقة بين الصفقة وأي قرار إداري أو امتياز استثنائي.


غير أن الجدل لم يخمد، لأن جوهر النقاش لم يعد متعلقاً فقط بسلامة الوثائق، بل بضرورة كشفها كاملة أمام الرأي العام. فكلما اتسعت دائرة الغموض، اتسعت معها دائرة الشكوك، حتى وإن كانت الوقائع القانونية سليمة.


الملف كما طُرح إعلامياً يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: كيف تتضاعف قيمة بعض الأراضي في المغرب خلال سنوات قليلة؟ ومن يملك المعلومة التي تسمح بتوقع التحولات العمرانية قبل حدوثها؟ وهل يستفيد الجميع من الفرص نفسها، أم أن بعض الفاعلين يكونون أقرب من غيرهم إلى خرائط المستقبل؟


هذه الأسئلة لا تشكل اتهاماً لأحد، لكنها أسئلة مشروعة في دولة جعل دستورها من مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة مرتكزات أساسية للحكامة الجيدة.


ومن هنا، فإن المخرج الطبيعي لأي جدل من هذا النوع لا يكون عبر تبادل الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، بل عبر فتح تحقيق مؤسساتي مستقل إذا اقتضت الضرورة ذلك، وتمكين الرأي العام من جميع الوثائق والمعطيات المرتبطة بالعقار موضوع النقاش، حتى يتم الحسم بين الروايات المتداولة والوقائع الموثقة.


فإذا ثبت أن كل ما جرى يدخل في إطار استثمار مشروع واحترام كامل للقانون، فإن نشر الحقيقة سيضع حداً للتأويلات والشائعات. أما إذا كشفت أي جهة رقابية أو مؤسساتية عن اختلالات أو تضارب محتمل للمصالح، فإن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.


اليوم، لم تعد قضية تسلطانت مجرد حديث عن أرض بيعت بمئات الملايين. لقد تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات على تبديد الشكوك، وإلى امتحان للشفافية في ملف يجمع بين العقار والسلطة والمال العام.


ويبقى السؤال معلقاً إلى أن تظهر الحقائق كاملة: هل نحن أمام صفقة عقارية عادية أحيطت بضجيج سياسي وإعلامي كبير؟ أم أن الأمر يستدعي تدخلاً رقابياً يجيب عن الأسئلة التي ما تزال تبحث عن أجوبة؟


وحدها الوثائق الرسمية، والتحقيقات المؤسساتية إن وجدت، قادرة على وضع حد لهذا الجدل المتصاعد، وإقناع المغاربة بأن قيمة الأرض لا تحددها فقط الجغرافيا، بل أيضاً وضوح القواعد التي تحكمها، وعدالة الفرص بين جميع المواطنين.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات