بقلم : مراد العطشان
في واقعة تزلزل القلوب وتصيب الوجدان بالذهول، استفاقت مدينة مراكش على مأساة إنسانية شديدة القسوة؛ حيث عُثر على هيكل عظمي لمتقاعد عسكري فارق الحياة وحيداً داخل شقته بمنطقة "عين مزوار" منذ نحو سنتين، دون أن يلحظ غيابه أحد. الصدمة الحقيقية هنا لا تكمن في فعل الموت ذاته، بل في ذلك الصمت المطبق والغياب الكامل لأسرة الراحل وأقربائه طيلة هذه المدة، ليطرح الحادث علامات استفهام حارقة وموجعة: كيف انقطعت حبال الوصل إلى هذا الحد؟ وهل نحن أمام جفاء عائلي أعمى البصائر، أم خلافات قديمة جرفت في طريقها أقدس الروابط، أم هو استسلام أعمى لدوامة مشاغل الحياة التي جعلت رجلاً يرحل ويتحلل بين جدران بيته الباردة دون أن يفتقده أحد؟
إذا أردنا تشريح هذه الفاجعة بنظرة سوسيولوجية أعمق، سنجد أننا لسنا أمام مجرد "حادث غريب"، بل نحن أمام عَرَض صارخ لمرض اجتماعي خبيث يضرب بنيان مجتمعاتنا المعاصرة؛ حيث نمر بـ "تحول قيمي" مخيف ينتقل بنا من دفق "العقلية الجمعية" وحميميتها إلى صقيع "الفردانية الشرسة". لقد تآكلت معاني "صلة الرحم" التي كانت تاريخياً بمثابة شبكة الأمان والرعاية لكبار السن، وتحولت في وعينا الحديث من فرض أخلاقي وإنساني مقدس إلى مجرد واجب "مناسباتي" بارد، يخضع لـ "حسابات المنفعة" والظروف الشخصية، والنتيجة الحتمية هي ترك الفئات الهشة والمتقاعدين في مواجهة مصير "الموت الاجتماعي" والنفسي قبل وفاتهم البيولوجية بأعوام.
اللافت للنظر أن هذه القطيعة الأسرية تزامنت مع ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي ولادة "البيئات الذرية" في مدننا الحديثة؛ حيث العمارات السكنية الشاهقة المشيدة بالإسمنت المسلح واللامبالاة، خلف أبواب مغلقة ماتت وراءها قيم الجوار والتكافل العفوي. فلم يعد الجار يتلمس أحوال جاره إن غاب يوماً أو انطفأ نوره، وحلت ثقافة "الانكفاء على الذات" وشعار "أنا ومن بعدي الطوفان" محل ثقافة التضامن والسؤال، لتتحول مدننا الكبرى إلى جزر معزولة من بشر يعيشون متقاربين جغرافياً لكنهم متباعدون وجدانياً بمسافات لا تقاس بالكيلومترات، وهو ما أتاح لهذه الفاجعة أن تفلت من عيون الجميع لعامين كاملين.
إن تحلل جسد هذا المتقاعد العسكري وحيداً ليس مجرد خبر عابر يطوى في صفحات الحوادث، بل هو صرخة احتجاج صامتة تعلن "الموت الإكلينيكي" لمنظومة القيم في مجتمعات تتباهى بـ "الاتصال الرقمي" بينما تعيش اغتراباً وانفصالاً حقيقياً مرعباً. هذا الحادث هو ناقوس خطر يستوجب استفاقة فورية وعاجلة من غيبوبة الماديات، وإعادة الروح إلى قيم المودة والرحمة قبل أن تبتلعنا الأنانية؛ فالمجتمع الذي يعجز عن استشعار غياب أفراده لسنوات هو مجتمع يعاني سكرات الموت الأخلاقي، وتفقد كبارنا والمنعزلين بيننا لم يعد مجرد رفاهية أو فضيلة عابرة، بل هو طوق النجاة الأخير لحماية ما تبقى من إنسانيتنا.