Preloader Image
news خبر عاجل
clock
بوجلود: جدل الهوية بين عراقة الموروث وصدام التأويلات

بوجلود: جدل الهوية بين عراقة الموروث وصدام التأويلات

يُعيد طقس "بيلماون" أو "بوجلود" طرح أسئلة الهوية في المجتمع المغربي مع كل عيد أضحى. هو ليس احتفالاً عابراً بجلود الأضاحي، بل ممارسة ضاربة في عمق التاريخ، يراها أنصارها تجسيداً لثقافة أمازيغية متجذرة تعود لآلاف السنين، بينما يضعها المعارضون في دائرة الاستنكار الفكري والديني، واصفين إياها بـ "الطقس الوثني" الذي لا ينسجم مع معطيات الحاضر.

بين هذين المعسكرين، يقف الباحث عن التوازن في حيرة من أمره أمام مشهد يختصر صراعاً خفياً بين من يتمسك بـ "الرواية الأصلية" للأرض، وبين من يرى أن الثقافة ليست جامدة بل تتطور وفق محددات دينية ومعرفية. المدافعون عن "بوجلود" يعتبرونه خطاً أحمر في التراث، وجزءاً من "كيمياء" الفرجة الشعبية التي تشكلت بعيداً عن أي تأثيرات خارجية، بينما يرى الطرف الآخر أن عليهم "تصحيح المسار" الثقافي للمجتمع، في خطاب غالباً ما يحمل طابع الوصاية.

الجدل القائم يتجاوز التنكر بجلود الأضاحي، ليلامس جوهر التعددية في المغرب. فالمغرب الذي استقبل عبر تاريخه روافد ثقافية ودينية متنوعة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للروافد الوافدة أن تحترم عراقة ما وجدته قبلها؟ أم أن النزوع نحو التنميط هو ما يغذي هذا الاحتقان الفكري؟

إن الاستمرار في النظر إلى هذه الممارسات بعيون ملؤها الإدانة يفتح الباب واسعاً أمام التنافر الاجتماعي. فالمغاربة اليوم يجدون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية؛ إما الانغلاق في رؤية أحادية لا تقبل الآخر، أو استيعاب أن هذا "الموروث" هو جزء من نسيج معقد لا يمكن بتره بقرار فوقي أو بمحاكمة أخلاقية خارجية.

المطلوب هو الانتقال من منطق "الاستعلاء الثقافي" إلى منطق "الاحترام المتبادل". فالمتلقي لهذا التراث يجب أن يدرك أن ما يراه "بدائية" هو في نظر صاحبه "هوية" و"ذاكرة". إن القادمين من مشارب فكرية مختلفة عليهم أن يعوا أنهم في فضاء له تقاليده التي سبقت وصول أفكارهم بعصور طويلة.

التعايش في هذا الوطن لا يعني بالضرورة التطابق في الأفكار، بل يعني القدرة على قبول ممارسات الآخر حتى لو بدت غريبة أو غير مفهومة. إن الاحتفاء بـ "بيلماون" يظل تجربة إنسانية مغربية صرفة، تتجاوز في جوهرها كل التأويلات القادمة من الخارج، وتثبت أن الحفاظ على السلم الأهلي يمر أولاً عبر احترام خصوصيات كل مكون ثقافي.

إن احترام الثقافات هو القاعدة الذهبية التي تحفظ استقرار المجتمعات المتعددة. عندما تتدخل أطراف تحاول فرض رؤيتها على موروث شعبي لم تشارك في صناعته، فإنها تزرع بذور القطيعة بدلاً من الحوار. الثقافة ليست نصاً جامداً، بل هي حيوية الشعب وتفاعله مع محيطه عبر العصور.

من الضروري أن نبتعد عن لغة "الوصاية" التي يحاول البعض ممارستها باسم الدين أو الحداثة. فالمغاربة يعرفون جيداً كيف يوازنون بين إيمانهم وبين موروثهم الشعبي دون حاجة لمن يعلمهم كيف يديرون حياتهم. الضيافة الثقافية تقتضي أن يمتلك الزائر أدب المكان قبل أن يطلق أحكامه عليه.

لذا، فإن الدعوة موجهة للجميع ليعيدوا النظر في أدبيات الاختلاف. إن الحفاظ على "بيلماون" ليس دعوة للوثنية، بل هو دعوة للتشبث بجذورنا التي تحمينا من الذوبان. نحن لسنا في حاجة إلى صراع هوية بقدر ما نحن في حاجة إلى حوار يحترم التنوع والخصوصية التي تميز كل منطقة في هذا البلد.

لنحتفِ بـ "بوجلود" كعنوان للتراث، ولنحترم في الوقت ذاته من يختلف معنا، بشرط أن يظل هذا الاختلاف تحت سقف الاحترام. المغرب سيظل دائماً فسيفساء ثقافية غنية، وهذا التنوع هو قوتنا الحقيقية التي لن نسمح لأي خطاب إقصائي بأن يفككها أو ينتقص من قيمتها التاريخية.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات