Preloader Image
news خبر عاجل
clock
رمضانيات:  الحلقة 2: من غبار "التخمال" إلى الجنجلان وعسل الشباكية وسلو

رمضانيات: الحلقة 2: من غبار "التخمال" إلى الجنجلان وعسل الشباكية وسلو

في دروب المدينة العتيقة، تفتح مراكش ذراعيها لنسيم رمضان بضجيج أبيض تقوده "النساء"، حيث يبدأ الطقس بنفض غبار السنة من "الدويريات" والبيوت العتيقة، فيما يُعرف بـ"تخمال الدار"؛ فتُشرع النوافذ للشمس، وتُغسل الزرابي بماء الزهر، ويُعاد ترتيب "المنازل" في حركة دؤوبة تجعل الجدران تتنفس النقاء، وكأن البيوت تتطهر جسداً وروحاً لاستقبال ضيف عزيز لا ينزل إلا في رحاب الطهر والسكينة.

ومع صعود شمس "ليلة الرؤية"، تتحول السطوح المراكشية إلى خلايا نحل تحت قيادة الأمهات، حيث يتربع "البانيو الأحمر" البلاستيكي كبطل للمشهد، تُغسل فيه حبات الزنجلان والنافع بماء بارد ينسكب بين الأصابع الماهرة، لتبدأ عملية الفرز الدقيقة تحت خيوط الضوء الدافئة؛ مشهد تملؤه رائحة الحبوب المبللة التي تمتزج بعبق "تقطير الورد" المنبعث من البيوت المجاورة، لترسم لوحة بصرية تجمع بين الذهب المنثور على "الملايات" البيضاء وزرقة السماء المراكشية.

وفي قلب البيت، تجتمع الجارات والقريبات في "جلسة التشباك" الأسطورية، حيث يتحول العجين الذهبي بين أيديهن إلى وردات "الشباكية" المتناسقة في سيمفونية من الضحك والحكايات التي لا تنتهي؛ فصرير "الجرّارة" فوق الموائد الخشبية وصوت غليان الزيت وتحويل الشباكية إلى أحضان العسل المراكشي الثقيل، كلها نغمات تؤثث لمخاض ولادة مائدة الإفطار، وتؤكد أن "بهجة" رمضان لا تكتمل إلا بهذا الجهد الجماعي الذي يفوح منه عبق الود والتآزر.

وعندما يهدأ ضجيج النهار، تنفرد "مولات الدار" بقصعة "سلو" المراكشي، واضعةً فيها خلاصة صبر الأمهات وأسرار "المقوّم" من لوز مقلي ودقيق محمر بعناية؛ فبين "دلك" وآخر، يمتزج القوام وتتحد النكهات لتصنع هذا الطبق الطاقي الأصيل الذي يختزل هوية المدينة، ليكون مسك الختام في هذه الليلة الكبيرة، معلنةً جاهزية البيت المراكشي لخوض غمار الصيام بروح مفعمة بالحب، ومعدة تهفو لأول "زلافة حريرة" عند سماع صوت "الزواكة".

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات