لا يحتاج المواطن داخل بعض الإدارات العمومية إلى الكثير من الوقت كي يكتشف أن يومه قد يتغير بالكامل بسبب جملة واحدة فقط: “السيستم طايح”. عبارة قصيرة، تُقال أحيانًا بنبرة عادية، لكنها تحمل أثرًا مباشرًا على حياة أشخاص جاؤوا لإنجاز إجراءات بسيطة، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام أبواب موصدة رقمياً، ووعود مؤجلة، وانتظار بلا سقف زمني واضح. في تلك اللحظة، لا يعود الحديث عن خدمة عمومية فقط، بل عن يوم كامل يُعاد ترتيبه قسرًا، وعن وقت يُستهلك دون مقابل، وعن مواطن يخرج كما دخل، لكن بإحساس مختلف تمامًا.
المشكل لا يكمن فقط في حدوث الأعطال التقنية، فهذا أمر وارد في أي نظام معلوماتي مهما كانت كفاءته، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه اللحظة أمام المواطن. فغالبًا ما تُختزل الوضعية في عبارة واحدة جاهزة، دون أي شرح لطبيعة الخلل أو مدته أو ما إذا كانت هناك حلول مؤقتة لتجاوز توقف الخدمة. هذا الغياب للمعلومة يضع المرتفق في حالة انتظار معلّق، لا يعرف متى يبدأ الحل ولا متى ينتهي، فيتحول الوقت الإداري إلى زمن غير محسوب بالنسبة له.
ما يزيد من حدة هذا الإحساس أن المواطن لا يأتي إلى الإدارة كزائر عابر، بل يأتي محمّلًا بالتزامات ومواعيد قد تكون مرتبطة بالعمل أو الدراسة أو قضاء مصالح أخرى. وعندما تتكرر نفس العبارة في أكثر من مناسبة، يبدأ الشعور بعدم الاستقرار في الخدمة نفسها، وكأن كل زيارة جديدة تحمل احتمال توقف جديد. ومع مرور الوقت، يصبح “السيستم طايح” ليس مجرد حدث عابر، بل احتمالًا دائم الحضور في ذهن المرتفق.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن جزءًا كبيرًا من الموظفين داخل الإدارات العمومية يعملون في ظروف تقنية وتنظيمية صعبة، ويحاولون تقديم الخدمة رغم الإكراهات الموجودة. لذلك، فإن الإشكال لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بطريقة تدبير لحظات التعطل، وكيف يتم إخبار المواطن بها. فبالنسبة له، لا يرى ما يحدث خلف النظام، بل يعيش فقط النتيجة النهائية: خدمة متوقفة ووقت ضائع ومعلومة ناقصة.
الأثر الحقيقي لهذه التجربة لا يظهر في لحظة واحدة فقط، بل في التراكم اليومي. فكل مرة يُقال فيها “السيستم طايح” دون توضيح كافٍ، تتآكل درجة الثقة تدريجيًا، ويزداد الإحساس بأن الخدمة العمومية غير مستقرة بما يكفي لضمان سير عادي للإجراءات. ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى صورة ذهنية ثابتة عن الإدارة، حيث يصبح الانتظار جزءًا من التجربة، لا استثناءً فيها.
في النهاية، لا يطلب المواطن أكثر من وضوح بسيط في لحظة معقدة: أن يعرف ماذا يحدث، ولماذا يحدث، ومتى يمكن أن تستأنف الخدمة. فـ“السيستم طايح” قد تكون جملة تقنية داخل نظام إداري، لكنها في الواقع تعني بالنسبة له يومًا يتوقف، ومصلحة تتأجل، وتجربة تُختزل في انتظار طويل لا نهاية واضحة له.