Preloader Image
news خبر عاجل
clock
"هل أصبح النقد الصحفي للشأن المحلي مخاطرة… أم أن بعض الملفات تحولت إلى خطوط حمراء خارج النقاش العمومي؟"

"هل أصبح النقد الصحفي للشأن المحلي مخاطرة… أم أن بعض الملفات تحولت إلى خطوط حمراء خارج النقاش العمومي؟"

في زمن يفترض أن يكون فيه النقاش العمومي مفتوحاً، وأن يكون النقد جزءاً طبيعياً من مراقبة تدبير الشأن العام، يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: هل أصبح مجرد إبداء الرأي في بعض الملفات المحلية أو توجيه النقد إلى بعض طرق التدبير أمراً قد يجر على صاحبه المتاعب والضغوط ومحاولات التخويف؟ وهل وصلنا إلى مرحلة صار فيها بعض الصحافيين أو المهتمين بالشأن العام يفكرون مرات عديدة قبل نشر رأي أو طرح سؤال أو إثارة ملف يهم المواطنين؟

الصحافة، في جوهرها، ليست تصفيقاً لأحد، وليست منصة للدعاية لأي جهة كانت. دورها الطبيعي هو البحث والتقصي وطرح الأسئلة ومواكبة تدبير الشأن العام ونقل انشغالات المواطنين. ومن حق الصحافي أن يكتب مقال رأي ينتقد مشروعاً أو يطرح تساؤلات حول طريقة تدبير ملف معين، كما أن من حق المسؤول أو المنتخب أن يرد ويوضح ويدافع عن اختياراته. هكذا تشتغل الديمقراطيات السليمة، وهكذا يفترض أن يدار النقاش العمومي.

غير أن ما يثير الانتباه في بعض الأحيان هو ظهور نوع من الحساسية المفرطة تجاه أي نقد، حتى وإن كان مؤطراً بالقانون ومبنياً على معطيات منشورة أو على أسئلة مشروعة. فبمجرد نشر مقال أو تعليق أو رأي حول مشروع محلي أو طريقة تدبير ملف معين، تبدأ الاتصالات الجانبية والرسائل غير المباشرة، لا من أصحاب القرار أنفسهم دائماً، بل أحياناً عبر وسطاء غير متوقعين. فجأة يظهر من يخبرك بأنه "ينصحك" بالتراجع، أو يحاول إقناعك بأن الملف أكبر منك، أو يردد عبارات من قبيل: "رد بالك"، "واش نتا قدهم؟"، "شنو باغي من هاد الناس؟". وهي عبارات قد تبدو في ظاهرها نصائح، لكنها تطرح تساؤلات حول الرسائل الضمنية التي تحملها.

والأكثر إثارة للتساؤل هو ذلك التداخل الذي أصبح يلاحظه كثير من المتابعين بين بعض الفاعلين السياسيين وبعض المنتسبين إلى الجسم الصحافي أو الإعلامي. فليس سراً أن المتابع للشأن المحلي قد يلاحظ أحياناً حركة دائمة لبعض الأشخاص بين المكاتب السياسية والمؤسسات المنتخبة، دخولاً وخروجاً، قرباً واصطفافاً وعلاقات تتجاوز في بعض الحالات الحدود المهنية التقليدية. وهنا يطرح السؤال نفسه: أين تنتهي العلاقة المهنية المشروعة؟ وأين تبدأ المصالح التي قد تؤثر على استقلالية الممارسة الإعلامية؟

لا أحد يمكنه أن ينكر أن التواصل بين السياسي والصحافي أمر طبيعي وضروري، لكن الإشكال يظهر عندما يتحول بعض من يفترض فيهم نقل المعلومة إلى جزء من الصراع السياسي نفسه، أو عندما يصبح البعض أقرب إلى أدوات للدفاع عن جهة معينة أو مهاجمة جهة أخرى. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يزداد هذا المشهد وضوحاً، حيث تتحول بعض المنابر أو الصفحات أو الحسابات إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، ويصبح بعض أشباه الصحافيين مجرد أسلحة إعلامية تستعمل عند الحاجة لتلميع صورة طرف أو تشويه صورة خصم.

وفي مدن تعرف تنافساً سياسياً واقتصادياً كبيراً مثل مراكش، تزداد حدة هذه الظاهرة. فكلما اقترب موعد انتخابي أو ظهر مشروع كبير أو ملف مثير للنقاش، ارتفعت وتيرة الحملات المتبادلة، واختلط أحياناً العمل الصحافي الحقيقي بالمصالح السياسية الضيقة. وهنا يصبح المواطن أول الخاسرين، لأنه يجد نفسه أمام ضجيج كبير يصعب معه التمييز بين المعلومة والرأي والدعاية.

لكن في المقابل، من الخطأ أيضاً الوقوع في التعميم. فليس كل سياسي فاسداً، كما أنه ليس كل صحافي مستقلاً ونزيهاً بالضرورة. توجد كفاءات محترمة داخل المؤسسات المنتخبة تعمل بجدية وتتحمل مسؤولياتها، كما يوجد صحافيون مهنيون يمارسون عملهم باستقلالية ونزاهة رغم كل الصعوبات. لذلك فإن أي نقاش جاد يجب أن يبتعد عن الأحكام المطلقة وأن يركز على السلوكات والممارسات لا على الأشخاص أو الفئات بشكل جماعي.

ما يدعو إلى القلق اليوم ليس فقط وجود ضغوط محتملة على بعض الأصوات المنتقدة، بل ذلك الخوف الصامت الذي بدأ يتسلل إلى كثيرين قبل أن يكتبوا أو ينشروا أو يطرحوا سؤالاً. عندما يصبح الخوف جزءاً من عملية التفكير قبل ممارسة حق مشروع في النقد، فإن الأمر يستحق التوقف والتأمل. لأن المجتمع الذي يخاف فيه الناس من السؤال، والصحافي من النقد، والفاعل المدني من إبداء الرأي، هو مجتمع يخسر تدريجياً إحدى أهم آليات تصحيح أخطائه.

ويبقى السؤال الذي لا بد من طرحه: هل نريد صحافة تكتفي بنقل البلاغات والابتسامات والصور الرسمية؟ أم نريد صحافة تمارس دورها كاملاً في طرح الأسئلة ومراقبة التدبير وكشف الاختلالات المحتملة وتقديم الرأي والرأي الآخر؟ لأن الفرق بين الصحافة والدعاية يبدأ من هنا، والفرق بين النقد المشروع والاستهداف الشخصي تحدده أخلاقيات المهنة والقانون، لا ميزان القوة ولا حجم النفوذ.

إن حماية الحق في النقد ليست دفاعاً عن الصحافيين وحدهم، بل دفاع عن حق المجتمع كله في المعرفة. فكلما اتسعت مساحة السؤال، اقتربنا أكثر من الحقيقة، وكلما ضاقت مساحة النقد، ازدادت الحاجة إلى طرح سؤال أكبر: من الذي يخاف من الكلمة؟

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات