يبدو أن درجات الخرف وصلت إلى مستويات غير مسبوقة في بعض المنابر الإعلامية، التي باتت تعتمد على الإثارة الرخيصة وتزييف الوعي بدلاً من تقديم تحليل عقلاني للمشاهد. ولم يعد الأمر مجرد وجهات نظر تقبل الخطأ والصواب، بل تحول إلى حالة مستعصية من العزلة عن الواقع وتغييب تام للمنطق يُعرض على الشاشات، وهو ما تجلى بوضوح في الخرجة الإعلامية الأخيرة للمحلل الرياضي مصطفى معزوزي عبر التلفزيون الجزائري الرسمي.
ففي الوقت الذي يترقب فيه الجمهور تحليلاً تقنياً مبنياً على لغة الأرقام والتكتيك، اختار معزوزي الهروب بالنقاش الرياضي إلى غياهب "المؤامرة الكونية". ولم يتوقف الأمر عند حدود اللعبة، بل تجاوزه ليربط بين نتائج كرة القدم وما وصفه بـ "اللوبي اليهودي"، مدعياً بشكل يثير السخرية أن الأهداف التي يسجلها النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي تحظى بدعم من جهات نافذة وخفية تقف وراءها تلك اللوبيات، وكأن ميسي مجرد منفذ لسيناريو مكتوب مسبقاً في غرف مظلمة وليس ظاهرة كروية عالمية شهد لها التاريخ.
هذا التراجع المعرفي وحالة الهذيان لم تقف عند حدود ميسي، بل امتدت لتشمل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بكامله؛ حيث زعم المحلل ذاته أن الفيفا يتربص بالمنتخب الجزائري ويسعى لعرقلة مساره في المونديال إذا ما اقترب من الأدوار المتقدمة، وذلك بسبب مواقفه السياسية وقضايا المنطقة. وهو طرح بليد يحول لجان الفيفا من مؤسسات تدير اللعبة وتناقش تقنيات التحكيم، إلى غرف لإدارة الصراعات الجيوسياسية ضد المنتخبات.
إن هذا الاندفاع نحو "شماعة المؤامرة" لتفسير الإخفاقات الرياضية يعكس حالة من الانفصال التام عن الواقع، ويظهر كيف يساهم الإعلام الموجه في صناعة بيئة من الأوهام تهدف إلى تخدير العقول والهروب من مواجهة المشاكل الحقيقية التي تخص التخطيط والمنظومة الكروية والداخلية. وبدلاً من أن يكون الإعلام أداة لبناء وعي الشعوب والارتقاء بفكرها، يتحول في هذه النماذج إلى مصنع للخطابات الشعبوية الساذجة التي تعزل المجتمع عن حركة التطور العالمي.
يبقى الرهان الحقيقي على وعي الجماهير التي لم تتأخر في تحويل هذه التصريحات إلى مادة للسخرية العارمة والانتقاد اللاذع على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة حاجتها الفطرية إلى إعلام رصين يحترم ذكاء المتابع بدلاً من الانزلاق وراء ترهات تفصل أصحابها تماماً عن المنطق والواقع.