Preloader Image
news خبر عاجل
clock
حامية المراسلين التي نسيت أن المهنة تبدأ من المؤسسة لا من الولاية… واكتشفت أن الكرامة تمر عبر أضحية العيد

حامية المراسلين التي نسيت أن المهنة تبدأ من المؤسسة لا من الولاية… واكتشفت أن الكرامة تمر عبر أضحية العيد

في كل موسم، يخرج علينا بعض من يدّعون الدفاع عن “كرامة المراسل”، ليس للمطالبة بعقود محترمة أو حماية اجتماعية أو أجور تحفظ ماء الوجه، بل للمطالبة بالأضاحي و”اللفتات الإنسانية”، وكأن الجسم الصحافي تحول فجأة إلى طابور انتظار أمام أبواب المسؤولين والمحسنين. والأغرب أن من يكتب هذا النوع من المقالات يحاول تسويق نفسه كمدافع عن الكرامة، بينما هو في الحقيقة يقدّم أكبر إهانة للمهنة حين يحوّل الصحافي إلى متسول موسمي يحمل بطاقة “مراسل” بدل بطاقة “محتاج”.

صاحبة المقال التي وزعت الاتهامات يمينا ويسارا، وقررت لعب دور “حامية المراسلين”، نسيت سؤالا بسيطا يضحك له حتى المبتدئون في المهنة: إذا كنتِ تشتغلين فعلا داخل مؤسسة إعلامية وتحملين اسم جريدة ومقاولة صحافية، فلماذا تطلبين الأضحية من الولاية؟ أليس الأولى أن يتكفل بها من يشغلك؟ أم أن المؤسسة التي تتحدثين باسمها لا تملك حتى القدرة على توفير أضحية لمن تكتب باسمها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يعيش فعلا “الهشاشة”؟ المراسل أم المؤسسة نفسها؟

المثير للسخرية، أن المقال حاول تسويق فكرة أن مطالبة المسؤولين بالأضاحي مجرد “لفتة إنسانية”، بينما الحقيقة أنها صيغة مهذبة للتسول الإعلامي العلني. لأن الصحافة التي تحترم نفسها تطالب بحقوق مهنية دائمة، لا بـ”خروف موسمي” يُطلب عبر مقالات مشحونة بالبكائيات والعويل المهني. فالكرامة لا تُبنى بالأضاحي، بل تُبنى بعقود عمل واضحة، وأجور، وضمان اجتماعي، واحترام للعاملين داخل المؤسسة. أما تحويل المقال الصحافي إلى طلب غير مباشر للدعم، فذلك سقوط مهني يُسيء للمهنة أكثر مما يخدمها.

ثم بأي وجه يتم الحديث عن “الاسترزاق” و”بيع المواقف”، بينما المقال نفسه قائم على استدرار العطف والبحث عن الامتيازات تحت غطاء اجتماعي؟ أليس غريبا أن تتحول بعض المنابر، مع كل مناسبة، إلى ما يشبه “مكتب شكايات موسمي” يرسل رسائل مبطنة للمسؤولين: “نحن هنا… لا تنسوا نصيبنا”؟ والأغرب أن نفس الأصوات التي تهاجم الآخرين باسم الأخلاق المهنية، لا تجد أي حرج في تحويل الصحافة إلى وسيلة ضغط للحصول على “اللفتات” و”الدعوات ”.

أما الحديث عن “الظروف الصعبة” فهو اعتراف خطير قبل أن يكون استعطافا. لأنه إذا كانت فعلا تشتغل في ظروف مهينة، فاللوم لا يُوجَّه للولاية ولا للمسؤولين، بل لمن يستغل اسمها وجهدها ثم يتركها تكتب مقالات تستجدي بها الأضحية آخر السنة. فمدير النشر الحقيقي لا يترك من يشتغل معه يتسول الدعم عبر المقالات، ولا يدفعهم لتقمص دور الضحية كل موسم. لكن يبدو أن بعض المؤسسات اكتشفت وصفة اقتصادية جديدة: “شغّل المراسل بلا حقوق… ثم دعه يطالب المسؤولين بالباقي”.

والأكثر إثارة للشفقة، أن المقال حاول الظهور بمظهر المدافع عن “المراسل البسيط”، بينما أساء لكل المراسلين الشرفاء الذين يشتغلون بصمت ويحاولون الحفاظ على ما تبقى من صورة المهنة. لأن المراسل الحقيقي لا يحتاج لمن يحوله إلى مادة للبكاء الموسمي، بل يحتاج لمن يحترم مجهوده ويضمن له كرامته داخل المؤسسة التي يشتغل فيها، لا خارجها أمام أبواب “اللفتات الإنسانية”.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد داخل الوسط الإعلامي: هل أصبحت بعض الجرائد عاجزة حتى عن توفير أضحية لمن يشتغلون باسمها؟ أم أن هناك من وجد في “الاستعطاف الصحافي” تجارة موسمية مربحة، تُكتب فيها المقالات لا دفاعا عن المهنة، بل بحثا عن نصيب من الامتيازات والهدايا تحت عناوين براقة من قبيل “الكرامة” و”الإنسانية”؟ لأن الفرق كبير بين صحافة تبحث عن الحقوق، وصحافة تحوّل نفسها، بكل أسف، إلى منصة شحاتة موسمية تحمل شعار: “عيدكم مبارك… ولا تنسوا الأضحية”.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات