Preloader Image
news خبر عاجل
clock
سوق الكتب بباب دكالة: أزمة مبيعات أم تراجع في الشغف بالقراءة؟

سوق الكتب بباب دكالة: أزمة مبيعات أم تراجع في الشغف بالقراءة؟

هل جربت يوماً أن تشتري زمناً كاملاً بعشرة دراهم؟ في مراكش، حيث يتسابق الجميع نحو ساحة جامع الفنا لاقتناص الصور، ثمة فئة من العشاق يغيرون بوصلتهم نحو الغرب، وتحديداً صوب باب دكالة. هناك، بعيداً عن بريق الفنادق الفخمة، يمتد سوق الكتب المستعملة كمغارة علي بابا مكشوفة على الرصيف. في هذا الفضاء، لا يبيع الكتبيون ورقاً وحبراً، بل يبيعون حيواتٍ مكدسة، ورسائل حب منسية بين الصفحات، وإهداءات كتبها أموات لأحياء رحلوا أيضاً. إنه المكان الوحيد في المدينة الحمراء الذي يمكنك فيه أن تجالس ابن رشد، وتناقش نجيب محفوظ، وتستمع لقصائد درويش، وكل ذلك تحت مظلة شمسية مهترئة وعلى نغمات شاي منعنع يُطبخ على مهل.

الرحلة إلى هذا المستقر لم تكن نزهة، بل هي هجرة تاريخية كبرى لـ"حراس الحرف". فبعد أن كان الأجداد يملأون الدنيا ضجيجاً بمائة دكان تحيط بصومعة الكتبية الشامخة في عهد الموحدين، دارت عجلة الزمن، وضاقت المساحات، فانزاح الوراقون تدريجياً حتى وجدوا في باب دكالة ملاذهم الأخير. هذا الانتقال غيّر جينات السوق؛ فقد تحول من فضاء نخبوي للعلماء والفقهاء، إلى سوق شعبي بامتياز، يذوب فيه الفارق بين أستاذ الجامعة والوقّاد الذي يبحث عن تسلية لليله الطويل. أصبح باب دكالة بمثابة "الرئة الثقافية" التي تتنفس بها هوامش مراكش، ومحطة القطار التي تنزل فيها الكتب بعد أن يطردها أصحابها من رفوف البيوت الفخمة بدعوى "تجديد الديكور".

ودخول هذا السوق يشبه خوض طقس سحري يمر بأربع مراحل درامية لا يعرف سرها إلا الراسخون في "المناورة". تبدأ الحكاية بـ**"الإنقاذ"**، حين يهرع الكتبي لشراء مكتبة شخصية مات صاحبها وقرر ورثته التخلص من غبارها، ثم تأتي مرحلة "البعث" حيث ينفض الكتبي الغبار عن غلاف الرواية العتيقة ويعيد لصق ما تهشم منها كأنه يرمم لوحة لدا فينتشي. بعدها تأتي مرحلة "الغواية"، حيث تُصف الكتب على الطاولات بطريقة ذكية تجعل عنواناً مثيراً يصطاد عينك رغماً عنك. وأخيراً، تبدأ مرحلة "المساومة"؛ وهي ليست عملية تجارية، بل حوار مسرحي ممتع؛ يمدح الكتبي ندرة الطبعة، ويتحجج المشتري بتمزق الغلاف، لينتهي المشهد بابتسامة تراضٍ يعود بها المشتري بيته وهو يشعر أنه سرق كنزاً، وينظر الكتبي إلى دراهمه القليلة مفكراً في ثمن خبز المساء.

لكن، خلف هذه المتعة السردية، تختبئ غصة صامتة تكاد تخنق المكان، فالسوق اليوم يعيش "زمن الجفاف الأكبر". لقد تبدلت الملامح، وهجرت الأقدام الشابة تلك الرفوف الخشبية الحزينة، ليتحول الشغف بالورق إلى "عزوف جماعي" مرعب عن القراءة. لم يعد الكتاب خير جليس، بل أصبح في نظر الجيل الجديد "جسمًا غريبًا" وثقيلًا لا مكان له في عصر السرعة. لقد التهمت الشاشات الزرقاء، بمقاطعها التي لا تتجاوز خمس عشرة ثانية، قدرة الإنسان المعاصر على الصبر والتركيز، وصار تأمل صفحة واحدة يتطلب جهداً خرافياً، فاكتفت العقول بالوجبات المعرفية السريعة والسطحية التي تقدمها الخوارزميات، وتراجع الكتاب ليصبح مجرد إكسسوار للزينة في المقاهي العصرية أو خلفية لالتقاط صور "السيلفي".

إن هذا العزوف ليس مجرد خسارة تجارية لكتبيي باب دكالة، بل هو نذير شؤم بهجرة الوعي وتصحير الفكر في مدينة ألهمت كبار فلاسفة العالم. عندما يغلق كتبي دكانه ليتحول إلى بيع الهواتف المستعملة أو الأكلات السريعة، فإننا لا نفقد تاجراً، بل ندفن جزءاً من هوية مراكش وثقافتها الضاربة في عمق التاريخ. إن إنقاذ سوق باب دكالة لا يتطلب خطابات رنانة، بل يتطلب وعياً جماعياً يعيد للاقتناء هيبته، وللقراءة متعتها الحية. فهل نترك أولئك السحرة الورقيين يواجهون مصيرهم وحدهم وينقراضون كديناصورات وثائقية؟ أم أننا سنستيقظ قبل أن تصبح مئذنة الكتبية مجرد نصب تذكاري لمدينة كانت ذات يوم عاصمة للورق والكلمة؟

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات