إذا كان مشروع تهيئة ساحة جامع الفنا لم يتم تسلمه بعد بشكل رسمي، كما صرح بذلك نائب عمدة مراكش المكلف بالأشغال، فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا كان يحدث طوال الأشهر الماضية؟ ومن كان يتابع الورش؟ ومن كان يراقب الأشغال؟ ومن كان يسجل الملاحظات؟ وهل ينتظر المسؤولون لحظة التسلم النهائي لاكتشاف العيوب والاختلالات التي يراها المواطن بعينه المجردة؟
تصريح نائب العمدة بأن المشروع ما زال في طور الإنجاز ولم يتم تسلمه بعد قد يوضح جانباً إدارياً من الملف، لكنه يفتح في المقابل أبواباً واسعة من الأسئلة المحرجة. فإذا كانت الأشغال لم تنته بعد، أليس من المفترض أن تكون الجماعة أكثر يقظة وأكثر حضوراً في تتبع التفاصيل التقنية؟ أليست مرحلة الإنجاز هي المرحلة التي يفترض فيها رصد النقائص وتصحيحها قبل التسلم؟ أم أن التتبع يبدأ بعد ظهور الجدل وليس قبله؟ وهل المطلوب من المراكشيين أن ينتظروا انتهاء الأشغال بالكامل حتى يحق لهم طرح الأسئلة؟
ثم ماذا عن الأرضية التي ظهرت بشكل صادم في ساحة جامع الفنا، وأعادت إلى الأذهان مشهداً بصرياً أثار الكثير من التساؤلات حول جودة الإنجاز وطريقة إخراجه النهائي؟ كيف لساحة بهذا الوزن الرمزي والتاريخي أن تظهر بهذا الشكل الذي دفع المتابعين إلى طرح سؤال بسيط لكنه ثقيل: هل هذا هو مستوى “إعادة التأهيل” المنتظر لواجهة عالمية من حجم جامع الفنا؟ ومن الذي صادق على هذا المنحى في التنفيذ أو التتبع؟
ثم، وقبل أن يبرد الجدل حول الأرضية، ظهرت البرك المائية مباشرة بعد التساقطات المطرية لتتحول إلى أول علامة ميدانية أربكت الصورة العامة للمشروع. إذا كان المشروع لم يُسلَّم بعد، أليست تلك البرك مؤشراً كان يفترض أن يدفع إلى فتح نقاش تقني عاجل حول جودة الإنجاز؟ وهل كشفت الأمطار ما لم تكشفه لجان التتبع؟ وكيف استطاعت قطرات المطر أن تكتشف في ساعات ما لم تنتبه إليه الجهات المكلفة بالمواكبة طيلة أشهر؟ والأهم من ذلك، هل الحلول التي أعقبت الجدل كانت جزءاً من برنامج تقني معد سلفاً أم مجرد رد فعل مستعجل بعد انتشار الصور وانتقادات المواطنين؟
الأخطر أن الرأي العام لا يناقش اليوم مجرد بركة ماء أو مشهد أرضية، بل يناقش فلسفة تدبير المشاريع العمومية بمدينة يفترض أنها واجهة سياحية عالمية. فكيف لمشروع بهذا الحجم وهذه الكلفة أن يتحول إلى مادة يومية للنقاش والجدل؟ وهل تم إنجاز الدراسات القبلية بالشكل المطلوب؟ وهل كانت هناك محاكاة حقيقية لتصريف مياه الأمطار؟ وهل خضعت الأشغال لاختبارات ميدانية أثناء الإنجاز؟ أم أن الجميع كان ينتظر لحظة النهاية لاكتشاف ما كان يفترض معالجته في البداية؟
ثم إذا كانت العمدة تؤكد في خرجاتها الإعلامية أن مراكش عرفت أوراشاً مهمة شملت إعادة تأهيل عشرات الشوارع وفق مقاربة مندمجة تشمل الطرق والإنارة والمساحات الخضراء، فهل يمكن للمواطن أن يسأل عن نتائج هذه المقاربة على الأرض دون أن يُتهم بالتشويش؟ وهل يمكن لساكنة بعض الأحياء أن تتساءل عن وضعية الإنارة العمومية في محاور طرقية معروفة ما تزال تثير ملاحظات متكررة، بل وتبدو في بعض المقاطع وكأنها لم تستفد فعلياً من هذا “التأهيل” إلا جزئياً؟
وهنا يبرز مثال شارع منطقة النخيل، وبالضبط المقطع الرابط بين عين إيطي ودار التونسي، الذي شمله ورش التهيئة، لكن دون أن يواكبه أي تحسن ملموس في الإنارة العمومية التي ما تزال ضعيفة كما كانت، وكأن هذا المكون الحيوي بقي خارج نطاق “الاندماج” المعلن عنه. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح أكبر: كيف يُفهم “التأهيل المندمج” إذا كانت الطريق تُعاد تهيئتها بينما الإنارة تبقى على حالها؟ هل يتعلق الأمر بتأهيل مكتمل فعلاً بكل مكوناته أم بتدخلات جزئية يتم تقديمها في صيغة شاملة للرأي العام؟ وهل يتم إبلاغ المواطنين فعلاً بالحدود الدقيقة لكل مشروع، أم أن التفاصيل تُكتشف لاحقاً على الأرض بعد انتهاء الأشغال؟
وهل يمكن الحديث عن رؤية موحدة لتأهيل الشوارع، بينما تختلف النتائج من مقطع إلى آخر بشكل يثير أكثر من علامة استفهام؟ ومن يحدد فعلياً ما يدخل ضمن “الاندماج” وما يُستثنى منه؟ وهل هذه الاستثناءات تقنية مبرمجة أم أنها نتيجة خلل في التتبع والتنفيذ؟
ثم إذا كانت الجماعة تتابع الأشغال بشكل يومي كما يفترض منطق تدبير الشأن المحلي، فكيف مرت كل هذه الملاحظات؟ وإذا لم تكن تتابعها بشكل دقيق، فأين هي لجان التتبع؟ وأين هي الاجتماعات التقنية؟ وأين هي التقارير الدورية التي يُفترض أن ترافق كل مرحلة من مراحل الإنجاز؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بساحة أو شارع فقط، بل بسؤال أعمق: من يواكب فعلاً مشاريع مراكش الكبرى؟ من يراقبها؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين ما يُعلن وما يُرى على الأرض؟ لأن احترام ذكاء المراكشيين لا يكون بالتصريحات، بل بالوضوح، وبالإجابة عن سؤال بسيط لكنه ثقيل: كيف تُنجز هذه المشاريع فعلاً، ومن يضمن أنها تُنجز كما يُعلن عنها؟