Preloader Image
news خبر عاجل
clock
سقاية "باب إيلان" بمراكش.. تاريخ يضيع بين مطرقة التهميش وسندان النسيان

سقاية "باب إيلان" بمراكش.. تاريخ يضيع بين مطرقة التهميش وسندان النسيان

تتداول الألسن في دروب المدينة العتيقة حكمة بليغة تنبهنا إلى أن "إن لم نحافظ على تراثنا فلن نجد ما نحكيه لأبنائنا"، وهي العبارة التي تلخص بمرارة واقع الحال الذي آلت إليه معالمنا التاريخية. وفي قلب هذا المخاض، تقف سقاية باب إيلان الأثرية شامخة رغم الجراح، لتكشف عن حجم الإهمال والتهاون الذي طال بنيتها وتسبب في تشويه جمالها المعماري، محولةً هذه التحفة الفنية إلى مشهد يبعث على الأسى والتحسر في نفوس المراكشيين وكل الغيورين على حياض "البهجة".


ولم تكن هذه السقاية في أصلها مجرد جدار أو حائط عابر لإرواء العطش، وإنما كانت شريانًا حقيقيًا يجسد أسمى قيم التضامن والتآزر والتكافل بين أهل "الحومة" وعابري السبيل، وعنوانًا بارزًا للهندسة المغربية الأصيلة. غير أن يد الإهمال امتدت إليها لتغير ملامحها بالكامل، بعدما أصبحت اليوم مطوقة بتلال من الأزبال والنفايات، ومحاصرة بمظاهر التدهور والتخريب التي أفقدتها رونقها التراثي وحولتها إلى نقطة سوداء تسير عكس تيار التنمية المحلية.

إن هذا الوضع المزري والمتواصل لا يشكل مجرد خدش للوجه الجمالي لدروب المدينة العتيقة، بل يمثل ضربة موجعة في العمق لذاكرة مراكش وتاريخها وهويتها الحضارية العريقة. فكل حجرة تتآكل من جدران سقاية باب إيلان هي بمثابة صفحة تطوى من سجل أمجاد الأجداد، مما يجعل السكوت على هذا التخريب تضحية بذاكرة جماعية لا تقدر بثمن، ويفرض على الجميع التحرك الفوري لوقف هذا النزيف الثقافي.

وأمام هذه الوضعية المقلقة التي لا تشرف تطلعات الحاضرة المتجددة، أضحى من الضروري والمستعجل سن سياسة حازمة لإنقاذ وترميم هذه المعلمة، وهو دور جسيم يقع على عاتق المجالس المنتخبة ومصالح وزارة الثقافة والسلطات المحلية. إن رد الاعتبار لهذه السقاية يمر حتمًا عبر تنظيم حملات تطهيرية واسعة لمحيطها، وإعادة ترميم جدرانها وفق المعايير الأثرية الصارمة، مع إشراك المجتمع المدني المحلي في حمايتها ومراقبتها.

إن الغاية من صيانة سقاية باب إيلان وحمايتها تتجاوز منطق البكاء على الأطلال، بل هي أمانة تاريخية ملحة حتى تظل هذه المعلمة شاهدًا حيًا يحكي للأجيال القادمة فصولاً من تاريخ مدينتهم العتيقة. فمن خلال نفض غبار النسيان عن هذه الرموز المحلية، نمنح لأبناء المستقبل الفرصة للتعرف على جذورهم الحقيقية، والافتخار بموروث ثقافي وحضاري متجذر في عمق التاريخ المراكشي المغربي.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات