في زمن تبحث فيه الجماعات الترابية عن كل درهم لسد عجز الميزانيات وتمويل مشاريع البنية التحتية، يبدو من المشروع أن يتساءل المواطن: كيف يمكن أن تضيع أو تُفوت موارد مالية بملايين الدراهم في جماعة لا تزال أجزاء واسعة من ترابها تعاني من مشاكل الطرق والتطهير والتجهيزات الأساسية؟ وكيف يمكن للصرامة الجبائية أن تبلغ أقصاها عندما يتعلق الأمر بالمواطن البسيط أو التاجر الصغير، بينما تثار، في المقابل، أسئلة ثقيلة حول ملفات ذات أرقام أكبر بكثير؟ وهل نحن أمام مفارقة تدبيرية عادية أم أمام وضعية تستوجب توضيحات استثنائية بحجم الأموال التي يدور حولها النقاش؟
وإذا كانت المعطيات الواردة في طلب التوضيح الرسمي الصادر عن والي جهة مراكش-آسفي وعامل عمالة مراكش بتاريخ 16 فبراير 2026 تعكس فعلاً ما انتهت إليه عمليات الافتحاص والتدقيق التي همت فترة التدبير الممتدة من شتنبر 2021 إلى ماي 2025، فإن الرأي العام يجد نفسه أمام أسئلة لا تبدو سهلة ولا مريحة. كيف أمكن الحديث عن إسقاط رسوم جماعية بمبالغ مهمة لفائدة مشروع عقاري كبير؟ ومن الجهة التي اقترحت ذلك؟ ومن الجهة التي وافقت عليه؟ وهل تم اللجوء إلى جميع المساطر القانونية الواجبة قبل اتخاذ قرار من هذا الحجم؟ أم أن هناك معطيات أخرى لم تُكشف بعد من شأنها أن تفسر للرأي العام خلفيات ما جرى؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الوثائق المتداولة تشير إلى أن مبررات الإعفاء أو الإسقاط ارتبطت بصعوبات تخص الربط بشبكتي الماء والكهرباء. لكن إذا صح أيضاً ما ورد في المعطيات نفسها بشأن حصول المشروع على تراخيص التجزئة ورخص السكن، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: كيف يمكن لمشروع يحصل على تلك التراخيص أن يظل، في الوقت نفسه، محل مبررات مرتبطة بعدم استكمال بعض التجهيزات؟ وهل تم التحقق من جميع المعطيات التقنية والقانونية قبل ترتيب آثار مالية على خزينة الجماعة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى توضيحات أكثر دقة مما هو متاح حالياً للرأي العام؟
ثم ماذا عن الإحصاء السنوي للعقارات الخاضعة للرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية؟ فإذا صح ما يثار حول عدم القيام به بالشكل المطلوب خلال سنوات متتالية، فمن يتحمل مسؤولية ذلك؟ وكيف يمكن لجماعة أن تنتظر من المواطنين التصريح بممتلكاتهم وأداء ما عليهم من رسوم، بينما لا تُفعّل بشكل كامل إحدى أهم الآليات التي يفرضها القانون لضمان العدالة الجبائية؟ وكم من العقارات ظلت خارج دائرة التحصيل؟ وكم من الموارد المحتملة لم تدخل إلى خزينة الجماعة نتيجة هذا الوضع؟ وهل يمكن اعتبار الأمر مجرد هفوة إدارية بسيطة بالنظر إلى حجم الآثار المالية التي قد تترتب عنه؟
وإذا كانت بعض المعطيات تشير إلى أن التحصيل كان يتم في حالات معينة مرتبطة بطلبات التعمير أو الحصول على شهادات إدارية، فهل كانت جميع العقارات الخاضعة للرسم تعامل بالمنطق نفسه؟ أم أن هناك فارقاً بين ما تنص عليه المقتضيات القانونية وما يجري على أرض الواقع؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة جبائية إذا كان أداء بعض الرسوم يصبح مرتبطاً بمبادرة الملزم نفسه إلى طرق باب الإدارة، بدل أن تبادر الإدارة إلى القيام بواجباتها القانونية في الإحصاء والتتبع والتحصيل؟ أليس من حق المواطن أن يتساءل عما إذا كانت جميع الملفات كانت تخضع للدرجة نفسها من المراقبة والصرامة؟
إن أخطر ما تثيره هذه القضية ليس فقط حجم المبالغ التي يثار بشأنها النقاش، بل حجم الأسئلة التي تطرحها حول فلسفة تدبير المال العام المحلي. فإذا كانت الجماعة تبحث عن الموارد، فلماذا تثار أسئلة حول موارد كان يفترض تحصيلها؟ وإذا كانت الحكامة الجيدة تعني حماية مصالح الجماعة، فمن كان يحمي تلك المصالح خلال الفترة موضوع الافتحاص؟ وإذا كانت المسؤولية تقترن بالمحاسبة، فمن سيتولى تقديم الأجوبة للرأي العام؟ إنها أسئلة لا تتبنى صحة أي معطى قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها النهائية، ولا تتهم أي طرف بارتكاب أفعال غير ثابتة قانوناً، لكنها تبقى أسئلة مشروعة يفرضها ما ورد في الوثائق الرسمية المتداولة، ويستحق المواطنون أجوبة واضحة بشأنها، لأن الأمر يتعلق في النهاية بأموال عمومية وبحق الساكنة في معرفة كيف تُدار موارد جماعتها.