هل انتهى زمن "الفراشة" ليبدأ عهد احتلال الملك العمومي بأساطيل سيارات الكراء؟ مشاهد تثير الجدل ببوعكاز قرب مطار مراكش المنارة
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المساحات التي استرجعتها السلطات المحلية بمنطقة المحاميد، بعد حملة وُصفت حينها بالحازمة لتحرير الملك العمومي بمحيط مطار مراكش المنارة، إلى مشهد جديد يثير من علامات الاستفهام أكثر مما يقدم من الأجوبة. فبعدما اختفت مظاهر الباعة المتجولين والفراشة التي كانت تُعتبر عنواناً للفوضى والعشوائية، برز واقع آخر لا يقل إثارة للجدل، يتمثل في اصطفاف عشرات السيارات المعدة للكراء على طول جنبات وأرصفة منطقة أكسجور، في مشهد يجعل المتابع يتساءل: هل تغير شكل الاحتلال فقط أم أن جوهره ما زال قائماً؟

الزائر اليوم لهذا المدخل الحيوي للمدينة الحمراء قد يعتقد للوهلة الأولى أنه أمام معرض مفتوح للسيارات أو مرآب خاص في الهواء الطلق، لا أمام فضاء عمومي من المفترض أن يكون موجهاً لحركة السير والجولان. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يسمح القانون باستغلال الأرصفة والملك العمومي لركن أساطيل تجارية لساعات وأيام متواصلة؟ وإذا كان احتلال الملك العمومي مرفوضاً حين يصدر عن بائع بسيط يبحث عن قوت يومه، فهل يصبح مقبولاً عندما يتعلق الأمر بنشاط تجاري يدر أرباحاً ويستفيد من فضاء عمومي دون مقابل ظاهر؟

الأكثر إثارة للتساؤل أن هذا التحول جاء مباشرة بعد الحملة التي استهدفت تحرير المنطقة. فهل نحن أمام صدفة زمنية محضة؟ أم أن هناك فراغاً تم ملؤه بسرعة من طرف فاعلين اقتصاديين وجدوا في المساحات المحررة فرصة ذهبية لتوسيع نشاطهم خارج الأطر المخصصة لذلك؟ وهل تخضع هذه السيارات للتراخيص والشروط القانونية اللازمة لاستغلال الفضاء العمومي إن كانت موجودة أصلاً؟ أم أن الأمر يتعلق فقط باستعمال مؤقت تحول مع مرور الوقت إلى واقع مفروض على الأرض؟

وتزداد علامات الاستفهام حدة عندما يُطرح سؤال آخر يتردد بين عدد من المتتبعين للشأن المحلي: هل كانت الشكايات التي عجلت بحملات التحرير تستهدف فعلاً حماية المجال العام وتحسين صورة محيط المطار؟ أم أن نتائجها النهائية أفرزت وضعاً جديداً استفاد منه طرف آخر بشكل غير مباشر؟ سؤال مشروع يفرض نفسه بقوة، ليس من باب الاتهام أو إصدار الأحكام، وإنما من باب البحث عن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المصلحة العامة من أي تأويل أو استغلال محتمل.
إن المشهد الحالي بأكسجور لا يتعلق فقط بمسألة ركن سيارات، بل يطرح قضية أعمق مرتبطة بمبدأ المساواة أمام القانون. فهل يخضع الجميع لنفس القواعد؟ وهل يتم التعامل بالصرامة نفسها مع مختلف أشكال استغلال الملك العمومي، بغض النظر عن هوية المستغل أو حجم نشاطه الاقتصادي؟ ثم أين تنتهي حدود الاستثمار المشروع وأين تبدأ حدود التعدي المحتمل على فضاء هو في الأصل ملك لجميع المواطنين؟
اليوم، وأمام هذا الواقع الذي يثير الكثير من الجدل، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح رسمي يبدد الشكوك ويضع الرأي العام أمام المعطيات الدقيقة. فمدينة بحجم مراكش، تستعد لمواعيد دولية كبرى وتقدم نفسها كواجهة سياحية عالمية، لا يمكن أن تترك مثل هذه الأسئلة معلقة دون أجوبة واضحة. وبين مشهد الأمس ومشهد اليوم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تحرر الملك العمومي فعلاً من العشوائية، أم أنه انتقل فقط من احتلال ظاهر إلى استغلال جديد يرتدي ثوباً أكثر أناقة؟