لم يكن الهدف من إحداث سوق “الخير” بمنطقة الدوديات مجرد بناء محلات تجارية، بل كان المشروع جزءًا من رؤية لتنظيم الباعة المتجولين، إنهاء احتلال الملك العمومي، ووضع حد لمظاهر العشوائية التي أرهقت الحي لسنوات.
غير أن الواقع اليوم يطرح سؤالًا مقلقًا: لماذا أُغلق السوق؟ ولماذا عادت الفوضى إلى محيطه بدل أن تختفي؟
المعطيات التي توصلت إليها الجريدة من مصادر متقاطعة داخل الحي تشير إلى وجود مفارقة رقمية تستحق التوقف. فعدد المستفيدين المرتبطين بالمحلات ـ حسب ما يتم تداوله محليًا ـ تجاوز عدد المحلات المتوفرة فعليًا، بل إن بعض المصادر تتحدث عن أرقام تقارب ضعف الطاقة الاستيعابية للمرفق.
هنا يطرح السؤال الإداري البسيط والواضح:
كيف تم إعداد لوائح الاستفادة؟
ومن أشرف عليها؟
وهل خضعت لمراقبة أو افتحاص يضمن احترام مبدأ تكافؤ الفرص؟
الأمر لا يقف عند حدود الأرقام. فداخل الأوساط المهنية، يتكرر حديث عن تداول “الاستفادات” ووجود عمليات بيع وشراء مرتبطة ببعض المحلات أو المواقع داخل السوق.
هذه المعطيات، إن كانت صحيحة، تمس جوهر فلسفة الأسواق النموذجية التي أُنشئت لمحاربة السمسرة والريع، لا لإعادة إنتاجهما.
في قلب هذا الملف، يتردد اسم عون سلطة بالمنطقة باعتباره من العناصر الحاضرة في المشهد المرتبط بالسوق ومحيطه. وتشير مصادر محلية إلى أنه كان في مرحلة من مساره بائعًا متجولًا، قبل أن يلتحق بسلك أعوان السلطة.
كما يُتداول اسمه اليوم ضمن مالكي أملاك وعقارات داخل المدينة وخارجها، في مسار يعتبره متابعون للشأن المحلي تحوّلًا لافتًا يستدعي ـ على الأقل ـ توضيحًا رسميًا يبدد كل تأويل.
من الناحية القانونية، امتلاك العقار حق مشروع، ولا يمكن اعتباره في حد ذاته مؤشرًا على أي مخالفة. غير أن النقاش المطروح داخل الحي لا يتعلق بالملكية في ذاتها، بل بالسياق العام الذي يجمع بين:
• سوق نموذجي مغلق
• عدد مستفيدين يفوق عدد المحلات
• حديث عن تفويتات
• مظاهر العشوائية في محيط السوق
بل إن اسم العون ذاته يُذكر في روايات متداولة كأحد العناصر التي يعتبرها بعض الفاعلين مساهمة في تفاقم مظاهر العشوائية بحي الداوديات.
هذه الإشارات تبقى في نطاق ما يُتداول، ولا يمكن الجزم بصحتها أو نفيها إلا عبر بحث إداري موضوعي ومستقل.
السؤال هنا ليس اتهام شخص بعينه، بل حماية المرفق العمومي من أي شبهة، وحماية المؤسسة قبل الأفراد.
فهل تم فتح تحقيق إداري لتحديد أسباب إغلاق السوق؟
هل تمت مراجعة لوائح المستفيدين بشكل رسمي؟
هل توجد تقارير افتحاص تحدد المسؤوليات بدقة؟
الرأي العام لا يبحث عن أحكام مسبقة، بل عن وضوح.
فإذا كانت كل المساطر قد احترمت، فإن إعلان ذلك رسميًا كفيل بقطع الطريق أمام كل رواية غير دقيقة.
أما إن كانت هناك اختلالات، فالمحاسبة وحدها قادرة على إعادة الثقة.
سوق “الخير” بالدوديات اليوم ليس مجرد بناية مغلقة، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات على تفعيل مبدأ الشفافية.
ولهذا، فإن الدعوة إلى فتح تحقيق إداري ومالي شامل لا تستهدف أحدًا، بل تستهدف الحقيقة… إن كان ما يُتداول صحيحًا.