Preloader Image
news خبر عاجل
clock
رمضانيات الحلقة 3 :   أول فطور رمضاني: رحلة في "اعماق" المذاق المراكشي

رمضانيات الحلقة 3 : أول فطور رمضاني: رحلة في "اعماق" المذاق المراكشي

تستيقظ الذاكرة المراكشية في أول يوم من رمضان على نداء خفي تقوده "النسوة" في عمق المطابخ العتيقة، حيث يتحول البيت إلى ورشة فنية تدار بحرفية عالية؛ فهنا تُغسل أعواد الكرافس بعناية فائقة، لتُفرم يدوياً على الخشب حتى يفوح أريجها المنعش الذي يملأ "الزقاق" برائحة الحياة، ثم تغوص في "قدرة" النحاس أو الفخار لتشكل أساس "الحريرة" المراكشية، بينما تداعب الملاعق الخشبية الطويلة "التدويرة" (خليط الدقيق والماء) لتصل إلى ذلك القوام المخملي الذي وثقته كتب الطبخ التاريخية كأحد أركان الهوية المغربية، في مشهد يمزج بين حرارة الموقد وصبر الأمهات اللواتي يدرن هذه الورشة اليومية بيقين الواثق وروح الفنان.

وعلى الموائد الخشبية العريضة، تتجلى مهارة اليد الأنثوية في رصّ "الشهيوات" التي لا تكتمل المائدة بدونها، حيث تظهر حبات "المخرقة" (الشباكية) وهي تلمع بالعسل والزنجلان المحمص كأنها قطع أثرية ذهبية بجانب أطباق "سلو" المزين باللوز المقشور الذي يتوسطه "تاج" من السكر الصقيل؛ ولا تغفل "لالة المرأة" عن تفاصيل "البغرير" الشهير بـ "الشهدة" نظراً لثقوبه المتراصة كخلايا نحل، و"المسمن" المورق الذي يُخبز بلمسة زيت الزيتون الصافية، لترسم في كل زاوية من زوايا المائدة حكاية من حكايات الصمود والتفاني، محولةً المكونات البسيطة المستقاة من رحبات المدينة إلى مأدبة ملكية تحتفي بقدوم الضيف الكريم.

ومع اقتراب اللحظة الفاصلة، تكتسي "الوسطية" أو "الدويرية" حلة استثنائية يختلط فيها الواقع بالأسطورة، حيث تُصف زلافي الخزف "الفاسي" أو "المراكشي" الملون بدقة هندسية، ويُوضع التمر "المجهول" الوافد من تافيلالت بجانب تين "الشريحة" والبيض المسلوق المرشوش بالكامون البلدي، في طقس جمالي يعكس كبرياء "البهجة" في الضيافة؛ وفي الأركان، يرتفع بخار "البراد" المراكشي وهو يُسكب بـ "رزّته" العالية في الكؤوس المنقوشة، ممزوجاً بقطرات "الزهر" المقطر يدوياً، ليخلق حالة من السكينة الروحية التي تسبق الآذان، حيث يمتزج عبق الطعام بروحانية الدعاء والترقب الجميل الذي يسكن نظرات الصغار والكبار على حد سواء.

وحين يصدح صوت المؤذن من مآذن الكتبية والمواسين معلناً "الله أكبر" في أول يوم، تبلغ الرحمة ذروتها في تلك اللحظة التي تجتمع فيها العائلة حول ثمار جهد "نون النسوة"، حيث تذوب مشقة الصيام مع أول رشفة حريرة دافئة تكسر الصمت المهيب؛ إنها لحظة الانتصار للتقاليد المورثة، حيث تُرسل الأطباق عبر "الدرب" للجيران في تبادل رمزي للود والمؤازرة، وتتحول المائدة من مجرد مكان للأكل إلى فضاء مقدس لجمع الشمل وصلة الرحم، لتظل المرأة المراكشية هي المهندسة الخفية التي تصنع من "أول فطور" ذكرى لا تُمحى، وعيداً روحياً يتجدد مع كل غروب تحت سماء مراكش الحمراء.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات