في الوقت الذي ترفع فيه شعارات "تجويد الخدمات"، تضعنا لغة الأرقام الصادرة عن دورة فبراير 2026 لمجموعة الجماعات الترابية "مراكش للنقل" أمام تساؤل حارق حول مفهوم الإنصاف. فقد كشفت مخرجات الدورة عن توجهات برمجة الفائض الحقيقي لميزانية 2025، والتي اختارت "الاستثمار في الورق" و"تجميل أماكن الانتظار"، تاركةً المواطن يواجه مصيره اليومي مع أزمة تنقل خانقة.
إن مصادقة المجلس على 30 مليون درهم لإنجاز مآوي انتظار حافلات، و14 مليون درهم أخرى لإعداد "مخطط التنقلات الحضرية المستدامة"، يطرح علامات استفهام كبرى حول ترتيب الأولويات داخل ردهات المجلس. فأي إنصاف يتحدث عنه مدبرو الشأن المحلي حين يُنفق 44 مليون درهم من أموال الفائض على "الرفاهية النظرية" والمقاعد، بينما تعاني أحياء كبرى مثل "أبواب جليز" ومبروكة وأخرى من خصاص مهول في الأسطول الميداني؟
إن الإنصاف الحقيقي لا يبدأ من تأثيث الشوارع بمآوي "تستجيب لمعايير السلامة والراحة" فقط، بل من توفير حافلة تحترم كرامة المرتفق وتصل في موعدها المحدد. فالمواطن الذي يقطع الكيلومترات مشياً، لا يحتاج لدراسات تقنية بميزانيات مليونية لكي تخبره بحجم معاناته؛ هو يحتاج فقط لمن ينصفه بتوجيه تلك الموارد المتاحة نحو تعزيز الأسطول الميداني وفك العزلة عن النقط السوداء بالمدينة.
الرهان اليوم ليس في "مواصلة التنسيق بين الشركاء"، بل في جرأة القرار الإداري الذي يضع "الإنسان المراكشي" قبل "الدراسة التقنية". فما قيمة المآوي العصرية إذا ظل الركاب في أحياء كـ "أبواب جليز" تحت رحمة الوعود التي لا تفيض إلا في محاضر الدورات؟ إن غياب الإنصاف في ترتيب أولويات صرف الفائض يجعل من "الحكامة" مجرد شعار للاستهلاك، بينما يظل الواقع المرير هو "الدراسة" الوحيدة التي لم يقرأها المجلس بعناية بعد.
تبقى صرخة سكان الأحياء المتضررة هي الاختبار الحقيقي لمصداقية الالتزام بخدمة الشأن العام. فإلى أن تتحول هذه الملايين من "رفوف مكاتب الدراسات" إلى "محركات الحافلات"، سيظل المراكشي يؤمن أن "الإنصاف" في تدبير قطاع النقل بمدينته هو مجرد مشروع آخر.. لا يزال قيد الدراسة!