Preloader Image
news خبر عاجل
clock
حين يُستعرض الذهب وتغرق البيوت… مفارقة فاضحة في زمن الفيضانات

حين يُستعرض الذهب وتغرق البيوت… مفارقة فاضحة في زمن الفيضانات

في وقتٍ كانت فيه ساكنة مدينة القصر الكبير تُجبر على مغادرة منازلها تحت ضغط السيول الجارفة، تاركة وراءها أثاثها وملابسها ومتاعها عرضة للتلف والضياع، اختار بعض مشاهير منصات التواصل الاجتماعي أن يظهروا في حفلات صاخبة، لا يكتفون فيها بالرقص والاحتفال، بل يتباهون أيضاً بثمن ملابسهم، وبريق ذهبهم، وقيمة حليّهم أمام عدسات الهواتف.

بينما كانت المياه تُغرق غرف النوم والمطابخ، وتحوّل ملابس البسطاء إلى أكوام طين، كان “المؤثرون” يتنافسون في استعراض الماركات، ويعدّدون أسعار الفساتين والساعات والمجوهرات، في مشهد بدا كأنه يُبث من عالم موازٍ لا يعرف معنى الفقد ولا يدرك حجم المأساة. هنا لم يعد الأمر مجرد حفلة، بل صار استعراضاً طبقياً فجّاً فوق جراح المنكوبين.

أي رسالة تُوجَّه إلى أسرة فقدت خزانتها وثياب أطفالها حين ترى من يتباهى بسعر حذائه أو وزن ذهبه؟ وأي إحساس بالانتماء يبقى حين يُرفع بريق الحلي فوق صرخات من يبحثون عن بطانية جافة أو لباس يستر أبناءهم من البرد؟

لقد تحوّل بعض صناع المحتوى من وجوه يُفترض أن تعكس نبض المجتمع إلى نماذج صارخة لانفصال النخبة الرقمية عن الواقع الاجتماعي. ففي اللحظة التي كان فيها سكان القصر الكبير ينقذون ما تبقى من متاعهم بأيديهم العارية، كان آخرون ينقذون “الترند” ويصنعون من الكارثة خلفية غير مباشرة لمحتوى ترفيهي فارغ.

ولا يتعلق الأمر بحرية اللباس أو التزيّن، بل بالسياق الأخلاقي والزمني. فالتباهي بالثروة في زمن الخراب ليس حياداً، بل استفزاز صريح لمعاناة جماعية، ورسالة غير معلنة مفادها أن الاستعراض أهم من التضامن، وأن القيمة تُقاس بما يُلبس لا بما يُقدَّم.

إن ما وقع يكشف مرة أخرى أزمة عميقة في ثقافة “التأثير”، حيث يُستبدل الحس الإنساني بعدّاد الأسعار، ويُستبدل الواجب الاجتماعي بعدّاد المشاهدات. وفي بلدٍ يرى فيه المواطن البسيط أثاثه يطفو فوق المياه، يصبح استعراض الذهب فعلاً رمزياً للقطيعة بين عالم الشاشات وعالم الضحايا.

ليست المأساة في الفيضانات وحدها، بل في هذا الصمت الأخلاقي المصاحب لها، وفي هذا الضجيج الاستعراضي الذي يُغطّي على الألم بدل أن يسلّط الضوء عليه. فحين تضيع ملابس المنكوبين في الوحل، لا يليق بمن يملك المنصة أن يتباهى بثمن بدلته، بل أن يرفع صوته دعماً لمن فقدوا كل شيء.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات