تظل الخرجات الإعلامية للقيادات الحزبية في محطات الأزمات السياسية محط تمحيص وتدقيق لا يتوقف عند حدود تصريحاتهم اللفظية، بل يمتد ليشمل تعبيراتهم الحركية والجسدية كقنوات تواصلية موازية. في هذا السياق، جاءت الإطلالة الإعلامية لرئيس جهة مراكش-آسفي، سمير كودار، وهو يتصدى للدفاع عن عمدة مراكش فاطمة الزهراء المنصوري في ملف "تسلطانت" الحارق، لتشكل مادة دسمة ليس فقط في صالونات السياسة، بل لدى خبراء التواصل البصري ولغة الجسد؛ حيث حملت تفاصيل المشهد مؤشرات سيكولوجية عميقة تتجاوز الكلمات المنطوقة وتطرح أكثر من علامة استفهام حول ديناميكية الأزمة.
تُظهر الهندسة البصرية للوضعية التي اتخذها كودار خلال اللقاء رغبة صارمة في إظهار أقصى درجات الثبات والتحكم الذاتي في بيئة مشحونة بالضغط؛ حيث تبرز الخطوط التحليلية المرفقة بالفيديو معالم تفكيك هذه الحركة. فاعتدال العمود الفقري والميل الطفيف بالجسد نحو الأمام يعكسان سيكولوجياً موقف "التأهب والمواجهة الدفاعية"، وهي وضعية تواصلية تهدف إلى تقليص المسافة بين المتحدث والجمهور لإبراز الحضور القوي، وتعكس رفضاً باطنياً لاتخاذ موقف الطرف المحاصر أو المتراجع، بل تكرس تموقعه كمسؤول يمتلك اليقين في دفوعاته السياسية والحزبية لحماية قادة تنظيمه.
وعند الانتقال إلى تفكيك "التركيز البصري"، نجد أن نظرات العينين المثبتة والموجهة بدقة نحو عدسة الكاميرا (وبالتالي نحو الرأي العام) كانت تخدم كابحاً سيكولوجياً للتحكم في الانطباع العام. هذا الثبات البصري المكثف، والذي يخلو من الالتفات العشوائي أو الرمش المتكرر، يهدف علمياً إلى تقليص مساحات الشك ومنح المتلقي شعوراً بالجدية المطلقة، مما يوحي بأن المتحدث يواجه الأسئلة الحارقة المحيطة بملف التعمير بنبرة عقلانية هادئة، مستخدماً السيطرة على ملامح الوجه كأداة أساسية لمنع تسرب أي علامات توتر عاطفي قد تُفسر كدليل ارتباك أو اهتزاز في الموقف.
إلا أن النقطة الأكثر ثقلاً في التحليل والتي حركت النقاش، تكمن في اللقطات المقربة جداً لـ "القبضة المقفلة" والمثبتة كمرساة على سطح الطاولة. هذه الوضعية (Clasp Gesture) تمثل في علم النفس التواصلي قمة التدابير الوقائية للجسد؛ حيث يعمد المتحدث إلى قفل أصابعه بإحكام وتثبيت معصمه لتفريغ الطاقات العصبية الناتجة عن تدفق الأدرينالين تحت الضغط الشديد. لكن، إن تداخل الأصابع بشكل مضغوط وموضع الإبهام في تلك اللحظة بالذات، وتحت مجهر زاوية التصوير القريبة والمستوية مع الطاولة، نقل الحركة من سياقها الوظيفي البسيط إلى مساحة شائكة من التأويلات الثقافية التي تتقاطع بشكل مثير مع الموروث الشعبي المحلي.
يضع هذا التحليل المعمق كل المؤشرات البصرية والجسدية أمام المتلقي في إطار تواصل سياسي محض ودون إطلاق أي أحكام قيمية، تاركاً لمعلقي شبكات التواصل الاجتماعي والمشاهدين أنفسهم كلمة الفصل في تفسير أبعاد هذا المشهد المثير؛ فبين من يفكك المعطيات كعفوية جسدية صدفية فرضها الانحباس النفسي وضغط اللحظة، وبين من يرى في تلك الإيماءة المقفلة تعبيراً رمزياً يحمل رسائل مشفرة في عمق الصراع، يبقى الأكيد أن كاميرات السياسة الحديثة لم تعد ترحم أدق التفاصيل الصامتة، وأن لغة الجسد باتت قادرة على إشعال فتيل نقاش قد يسرق الأضواء من المضمون السياسي نفسه.