لم يعد مشهد صلاة التراويح والتهجد بجامع الكتبية في مراكش فقط طقس ديني عابر، بل تحول عبر العقود إلى "ترمومتر" يقيس الحيوية الروحية للمدينة الحمراء. لكن المتابع للشأن المحلي يلحظ في المواسم الأخيرة انزياحاً تدريجياً لآلاف المصلين نحو مساجد أحياء اخرى، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التحول: هل نحن أمام مجرد "توسع عمراني" فرضته ديناميكية المدينة، أم أن هناك عوامل أخرى أدت إلى ما يشبه "إعادة رسم خارطة" الولاءات الروحية في قلوب المراكشيين؟
وتبرز ظاهرة "هجرة الأئمة" من محراب الكتبية نحو مساجد أخرى كأحد المعطيات الميدانية التي تستوجب وقفة تأمل. فما الذي يدفع بعض الأسماء المرجعية للانتقال نحو محاريب بديلة في أحياء اخرى؟ وهل يمكن فصل هذه الانتقالات عن سياق "التحفيز والظروف اللوجستية"؟ فبينما يظل التدبير في الكتبية محكوماً بضوابط إدارية محددة، تبرز تساؤلات حول مدى تأثير "المبادرات الإحسانية" والجمعوية في مساجد الأحياء؛ فهل توفر هذه الأخيرة امتيازات معنوية ولوجستية تجعل المقرئ يميل نحو بيئات تضمن له استقراراً وتقديراً أكبر؟ وهل دخلت "تنافسية المحاريب" عصر البحث عن "بيئة العمل المثالية" للإمام والمأموم على حد سواء؟
ولا يتوقف التساؤل عند صلاة التراويح فحسب، بل يمتد ليشمل "صلاة التهجد" في العشر الأواخر، التي كانت تاريخياً علامة مسجلة باسم الكتبية. فكيف تفسر الذاكرة المراكشية هذا التباين بين "زمن الحشود" التي كانت تغص بها الساحات تحت وقع أصواتٍ مرجعية أسست لهوية المسجد السمعية، وبين الواقع الراهن الذي يشهد إقبالاً يوصف بـ "الأقل " مقارنة بسنوات الذروة؟ هل ارتبط "التهجد" في الكتبية بأسماءٍ بعينها غادرت المحراب، أم أن المصلّي أصبح يبحث عن "السكينة واليسر" في مساجد قريبة توفر له نفس الروحانية دون عناء التنقل الليلي في مدينة سياحية لا تهدأ؟
من ناحية أخرى، تفرض الجغرافيا العمرانية نفسها كمتغير حاسم؛ فالحي التاريخي المحيط بالكتبية الذي تحول لمركز سياحي عالمي، هل لا يزال قادراً على استيعاب "جيرة المسجد" الأوفياء؟ ومع ظهور مساجد نموذجية في أحياء "المحاميد" و"جنان أوراد"، ألا يبدو منطقياً أن يفضل المصلّي "الخشوع القريب" تفادياً لعناء التنقل وأزمة السير الخانقة؟ وهل أصبحت التدابير التنظيمية المعقدة في منطقة "جامع الفنا"، رغم ضرورتها، عاملاً يدفع الجمهور للبحث عن السكينة في مساجد الأحياء التي توفر عزلة أكبر عن صخب السياحة والضغط الأمني؟
إن طرح هذه التساؤلات لا ينطوي، بأي حال من الأحوال، على انتقاص من قيمة أو كفاءة الأئمة الأجلاء الذين يتولون إمامة التراويح والتهجد في الكتبية حالياً، والذين يبذلون جهوداً مشكورة في صون وقار هذا الصرح؛ بل هو بحث في "سوسيولوجيا التدين" المراكشي المعاصر. فهل يبحث المقرئ اليوم عن جودة "الهندسة الصوتية" في مساجد حديثة توفر تقنيات متطورة لا تتوفر دائماً في الصروح التاريخية؟ وهل أصبح "اقتصاد الخشوع" واقعاً يفرض نفسه بعيداً عن الأطر الإدارية التقليدية؟
يظل جامع الكتبية رمزاً فوق كل المتغيرات، لكن استعادة "وهجه" تفتح الباب للسؤال الأخير: هل تحتاج الكتبية اليوم إلى "مقاربة استثنائية" تخرج عن نطاق التدبير الروتيني؟ وكيف يمكن ابتكار استراتيجية استباقية تستعيد استقطاب الأئمة المرجعيين وتوفر لهم محفزات تليق بمقام المسجد الأعظم؟ إن الحفاظ على "الحناجر الذهبية" في محراب الموحدين هو صيانة لهوية مراكش الروحية، لكي يعود المراكشي ويجد في الكتبية ذلك "الخشوع الاستثنائي" الذي ارتبط بذاكرته الجمعية منذ قرون.