يبدو أن جماعة الويدان قررت اجتهاداً خارج الصندوق في علوم الهندسة المدنية، بتبنيها نظرية "التجميل قبل التأصيل"؛ ففي مشهد يثير الدهشة التقنية، تسابق أحجار الرصيف (Pavé) الزمن لتغطي أزقة الدواوير، في وقت تنتظر فيه الساكنة تنزيل مشروع التطهير السائل الذي مرت صفقته رسمياً وباتت جاهزة للتنفيذ. هذا الإصرار على تقديم "الواجهة" في دواوير كـ (لحياد، الباديسية، الصيبانية...) يضعنا أمام مفارقة "المشروع القابل للاقتلاع"؛ فكيف يُعقل البدء بالتبليط والصفقة الأصلية للواد الحار قد حُسمت؟ إن كل حجر يُوضع اليوم هو بالضرورة مشروع "حفرة" غداً، في دورة عبثية لا يستفيد منها سوى منطق الهدر المقنّع بغطاء التنمية.
إن الرهان على "الزليج" قبل "الواد الحار" ليس مجرد خلل فني عابر، بل هو تجسيد لسياسة "الهروب إلى الأمام"؛ فبدلاً من استثمار الميزانيات في بنية تحتية صلبة، نجد توجهاً نحو إنجازات بصرية "هشة" ستتبخر مع أول معول حفر لمشروع التطهير الذي حُسمت أموره الإدارية. والسؤال الذي يطرح نفسه بذكاء: هل تحتمل ميزانية الجماعة رفاهية أداء ثمن الأشغال مرتين؟ مرة للتركيب ومرة للإصلاح بعد التخريب الحتمي الذي تفرضه الصفقة الجاهزة لمد القنوات، وهو ما يضع الكفاءة التدبيرية للمجلس أمام اختبار حقيقي أمام الرأي العام، خاصة وأن توقيت الأشغال الحالية يتناقض كلياً مع الجدولة الزمنية المفترضة لصفقة التطهير.
إن التدبير المحلي ليس "لوحة فنية" نكتفي بطلائها بالصباغة بينما الجدران آيلة للسقوط، فالساكنة التي تنتظر الكرامة الصحية لا يرضيها أن تدوس أقدامها رصيفاً فاخراً بينما تحتها "قنبلة" موقوتة من المياه العادمة تنتظر معالجة جذرية عبر صفقة الواد الحار المبرمة. إن تقديم "الجمال" على "الخدمة الأساسية" في ظل وجود التزامات تعاقدية لمشروع التطهير، يعكس ارتباكاً حاداً في ترتيب الأولويات؛ إذ كيف يستقيم إنفاق الملايين على تبليط أزقة ستُحفر يقيناً خلال أسابيع أو أشهر؟ هذا التضارب يجعل من "الإصلاح" الحالي عبئاً إضافياً على ميزانية الجماعة بدل أن يكون لبنة في صرح التنمية المستدامة.
خلاصة القول، إن ما يحدث في الويدان يحتاج إلى أكثر من "إسمنت" و"أحجار"؛ يحتاج إلى "رؤية" تحترم ذكاء المواطن وتصون حرمة المال العام من مشاريع "الواجهة" التي لا تصمد أمام أول اختبار للمنطق السليم. إن بناء الدواوير يجب أن يبدأ من الباطن صعوداً إلى السطح، لضمان استثمار عقلاني يخدم الساكنة لسنوات، لا لمجرد التقاط صور "إنجازات" مؤقتة تتبخر مع انطلاق أشغال الصرف الصحي التي أصبحت صفقته واقعاً رسمياً. فهل ننتظر استكمال "الديكور" لنبدأ بعدها مباشرة مسرحية "الهدم" من جديد؟ ومن سيتحمل كلفة هذا الارتباك التدبيري؟