يبدو أن جماعة الويدان قررت اجتهاداً خارج الصندوق في علوم الهندسة المدنية، بتبنيها نظرية "التجميل قبل التأصيل"؛ ففي مشهد يثير الدهشة التقنية، تسابق أحجار الرصيف (Pavé) الزمن لتغطي أزقة الدواوير، في وقت لا تزال فيه قنوات التطهير السائل مجرد "وعود" حبيسة الأوراق، أو ربما تنتظر دورها في طابور "ما بعد الاقتلاع". ومن المثير للاهتمام أن نرى هذا الإصرار على تقديم "الواجهة" في دواوير كـ (لحياد، الباديسية، الصيبانية...)، وكأن الغرض هو منح الساكنة رصيفاً أنيقاً يقفون عليه لمراقبة غياب قنوات الصرف الصحي، في منطق تدبيري يضعنا أمام مفارقة "المشروع القابل للاقتلاع"؛ فكل حجر يُوضع اليوم هو بالضرورة مشروع "حفرة" غداً، في دورة لا يستفيد منها سوى منطق الهدر المقنّع بغطاء التنمية.
إن الرهان على "الزليج" قبل "الواد الحار" ليس مجرد خلل فني عابر، بل هو تجسيد لسياسة "الهروب إلى الأمام"؛ فبدلاً من استثمار الميزانيات في بنية تحتية صلبة تعيش طويلاً، نجد توجهاً نحو إنجازات بصرية "هشة" قد تتبخر مع أول معول حفر لمشروع التطهير المؤجل. والسؤال الذي يطرح نفسه بذكاء على مدبري الشأن المحلي: هل تحتمل ميزانية الجماعة رفاهية أداء ثمن الأشغال مرتين؟ مرة للتركيب ومرة للإصلاح بعد التخريب الحتمي الذي تفرضه ضرورة مد القنوات لاحقاً، وهو ما يضع الكفاءة التدبيرية للمجلس أمام اختبار حقيقي أمام الرأي العام والجهات الوصية.
إن التدبير المحلي ليس "لوحة فنية" نكتفي بطلائها بالصباغة بينما الجدران آيلة للسقوط، فالساكنة التي تنتظر الكرامة الصحية والربط بالشبكات لا يرضيها أن تدوس أقدامها رصيفاً فاخراً بينما تحتها "قنبلة" موقوتة من المياه العادمة. إن تقديم "الجمال" على "الخدمة الأساسية" يعكس ارتباكاً في ترتيب الأولويات؛ إذ كيف يستقيم إنفاق الملايين على تبليط أزقة ستُحفر غداً، في حين تعاني تلك الأزقة نفسها من غياب أبسط شروط التطهير السائل؟ هذا التضارب يجعل من "الإصلاح" الحالي عبئاً إضافياً على ميزانية المستقبل بدل أن يكون لبنة في صرح التنمية المستدامة.
خلاصة القول، إن ما يحدث في الويدان يحتاج إلى أكثر من "إسمنت" و"أحجار"؛ يحتاج إلى "رؤية" تحترم ذكاء المواطن وتصون حرمة المال العام من مشاريع "الواجهة" التي لا تصمد أمام أول اختبار للمنطق السليم. إن بناء الدواوير يجب أن يبدأ من الباطن صعوداً إلى السطح، وليس العكس، لضمان استثمار عقلاني يخدم الساكنة لسنوات، لا لمجرد التقاط صور "إنجازات" تتبخر مع أول معول حفر لمشروع الصرف الصحي المؤجل. فهل ننتظر استكمال "الديكور" لنبدأ بعدها مسرحية "الهدم" من جديد، أم أن هناك مجالاً لتدارك هذا المسار المقلوب؟