نواصل في كشكول سلسلتنا النقدية لتفكيك مظاهر "الصعصعة" والاستقواء التي تتخذ أشكالاً مختلفة في تفاصيل حياتنا اليومية. واليوم نفتح ملفاً يلامس أزقة المدن وشوارعها، ونضع فوق كرسي الاعتراف الساخن شخصية جديدة قررت تحويل التطبيقات الذكية إلى مسرح للتطفل والعبث؛ إنها صعصع "مول أندرايف" الذي يخوض مغامراته اليومية على متن دراجته النارية (الموطور)، مستغلاً حاجة الناس للنقل السريع ليصنع لنفسه "قوانين خاصة". ونحن هنا لا نعمم ولا نسيء لسائقي دراجات وسيارات النقل عبر التطبيقات الشرفاء والمحترمين، فالتحية واجبة لكل سائق يناضل بشرف ويحترم كرامة الزبناء والقانون، وإنما ينصب حديثنا حصراً على هذا النموذج السخيف الذي جعل من "الخوذة الثانية" و"مقعد الدراجة الخلفي" طُعماً للاستعراض والتطفل المقيت.
في البداية، يبدو المشهد بسيطاً ومؤطراً بلمسة مهنية على شاشة الهاتف: الزبونة تطلب الرحلة، صعصع يقبل العرض، يصل بالدراجة النارية، ويناول الخوذة الاحتياطية لتنطلق الرحلة نحو الوجهة المطلوبة. لكن صعصع "مول الموطور" لا يرتاح لكونه مجرد تقديم خدمة واستلام مقابلها؛ فعنده طموحات نرجسية تتجاوز مجرد إيصال الناس من نقطة إلى أخرى. يبدأ المشهد بنبرة رسمية مصطنعة: "السلام عليكم، فين غاديين؟"، وما إن تتحرك الدراجة وتنساب في حركة المرور، حتى ينسحب قناع المهنية ليفسح المجال لـ "رادار الفضول".
مع حركة الطريق واهتزازات الدراجة، يبدأ الاستجواب المدروس عبر مرآة الدراجة أو برفع زجاج الخوذة:
"بوحدك ساكنة هنا؟"،
"واش مرتبطة ولا مازال؟"،
"باينة عليك عييتي، واش ممكن نتعرفوا أكثر؟".
وهنا تماماً تزيغ الرحلة عن مسارها الأصلي؛ فلم تعد مجرد تنقل من النقطة (A) إلى النقطة (B)، بل تحولت إلى جلسة تعارف قسرية ومزعجة فوق مقعد ناري متحرك. صعصع يعتقد واهماً أن ثمن الرحلة المحدد في التطبيق يمنحه "اشتراكاً مفتوحاً" للتدخل في الخصوصيات، وإمطار الزبونة بأسئلة ثقيلة ومجاملات غير مرغوب فيها، ناهيك عن استغلال طبيعة الدراجة النارية لفرض تقارب غير مبرر لا علاقة له بالخدمة.
وإذا أحس صعصع أن الزبونة رفضت التجاوب، أو التزمت الصمت، أو أبدت انزعاجاً صريحاً، يسارع بتشغيل أسلحته التبريرية الجاهزة: "غير كنت كنضحك معاك!"، "ما قصدت والو، مالك واخدة الأمور بجدية؟".. حتى إذا اقتربت الرحلة من نهايتها، يخرج جملته الأسطورية التي تختصر كل صور السخافة والاستغلال: "عطيني غير حسابك فالإنستغرام وفولو ونوصلك حتى لباب داركم!".
نسي صعصع "مول الموطور" حقيقة بسيطة جداً: أن الزبونة ركبت خلفه لتصل إلى وجهتها بأمان وفي الوقت المحدد، ولم تركب لتدخل في "سيناريو غرامي مفروض" وسط زحام الطريق! عند صعصع تبرير لكل تصرفاته، لكنه يفتقد لشيء واحد فقط: التمييز البسيط بين أداء مهنة محترمة وبين التعدي على حرية الناس وسلوك التحرش. السائق المحترف يحسب مسافة الرحلة بالكيلومترات وحسن التعامل، أما صعصع فيحسبها بعدد الأسئلة المحرجة، والتلميحات المبتذلة، وشعارات "عطيني فرصة".
لقد تحول صعصع "مول أندرايف" في مخيلته المريضة من مجرد سائق ينقل الزبناء إلى صاحب "مشروع علاقة عاطفية مؤجلة"، والمشكلة الوحيدة هي أن الطرف الثاني ليس لديه أدنى علم بهذا المشروع، ولم يطلب سوى خدمة نقل محترمة ومأمونة!
إن أي تشابه بين شخصية "صعصع" وأي شخص أو اسم أو شخصية حقيقية، سواء داخل مؤسسة أو خارجها، فهو مجرد صدفة لا أكثر. فهذه السلسلة تتناول بعض السلوكيات والمواقف الساخرة التي قد نعيشها في حياتنا اليومية، ولا تستهدف أي شخص بعينه. وفي الختام نؤكد أن كرامة الناس وأمانهم في وسائل النقل ليسا مجالاً للتطفل ولا لجمع "المتابعات والمواعيد الافتراضية"، والكرسي لا يزال ملتهباً بانتظار حلقة قادمة وقناع جديد.