بعد إعفاء مديحة خيير.. جدل حول ماضي بعض الوزراء يعيد سؤال النزاهة إلى الواجهة
إبراهيم باعزيز
لم يحتج إعفاء مديحة خيير من منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل سوى يومين من تعيينها حتى يتحول إلى قضية سياسية ومؤسساتية تتجاوز شخصها، لتعيد إلى الواجهة أسئلة محرجة بشأن معايير اختيار أعضاء الحكومة، ومدى التدقيق في ملفات المرشحين قبل إسناد المسؤوليات إليهم. وبينما اتسع النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت دعوات لمراجعة ملفات مسؤولين آخرين، في ظل مطالب بربط الاستوزار بمعايير أكثر صرامة في الكفاءة والنزاهة والاستقامة.
وجاء الإعفاء عقب الجدل الذي رافق تعيين خيير، بعدما تداولت وسائل إعلام ومنصات رقمية معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي مرتبطة بملف قديم. وفي بلاغ رسمي، أوضح الناطق باسم الحكومة أن التعامل الاستعجالي مع الموضوع يندرج ضمن تحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية، مؤكداً أن رئيسة الحكومة تقدمت بطلب الإعفاء إلى الملك محمد السادس، الذي وافق عليه وفق مقتضيات الفصل 47 من الدستور. غير أن البلاغ الملكي لم يتضمن تفاصيل بشأن الأسباب المباشرة للقرار، وهو ما يستدعي التمييز بين المعطيات الرسمية والتفسيرات المتداولة بشأن خلفياته.
ولم يتوقف الجدل عند هذه الحالة، بل امتد إلى مطالب بمراجعة مسارات أسماء أخرى داخل الحكومة، وسط تداول ادعاءات غير مؤكدة بشأن الحياة الشخصية لبعض المسؤولين والمسؤولات وعلاقات مفترضة بأوساط مثيرة للجدل. غير أن خطورة هذه المزاعم تقتضي التعامل معها بمنطق التحقق لا التشهير، إذ لا يمكن اعتماد منشورات متداولة أو روايات مجهولة المصدر أساساً للحكم على أهلية أي شخص لتولي المسؤولية العمومية، ما لم تدعمها أدلة موثوقة وتثبت صلتها بالمعايير القانونية والأخلاقية المرتبطة بالمنصب.
وتضع الواقعة الأحزاب السياسية والجهات المعنية بترشيح الوزراء أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تفادي تكرار مثل هذه الحالات؟ فاختيار أعضاء الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على التوازنات السياسية والحزبية، بل يفترض أن يواكبه تدقيق مسؤول في المؤهلات والمسارات المهنية والمصالح المحتملة، والتحقق من المعطيات التي قد تكون لها آثار مباشرة على الأهلية لتولي المسؤولية. كما أن تعزيز الشفافية في هذه المرحلة من شأنه أن يحد من الأزمات اللاحقة، ويحمي المؤسسات من الاضطرار إلى تدبير تداعيات لا تظهر إلا بعد الإعلان عن التعيينات.
وفي المقابل، لا تعني المطالبة بتشديد التدقيق فتح المجال أمام محاكمات افتراضية تستند إلى الماضي الشخصي أو إلى اتهامات غير مثبتة. فالمساءلة في دولة المؤسسات ينبغي أن تستند إلى قواعد واضحة، وأن تحترم الحقوق الشخصية والضمانات القانونية، مع إسناد مهام التحقق والرقابة إلى الجهات المختصة، كلٌّ في حدود صلاحياته. أما النقاش العمومي، فتتمثل قيمته في مساءلة المؤسسات عن معايير الاختيار وشفافية القرارات، لا في تحويل الشائعات إلى أحكام نهائية.
وبين سرعة الإعفاء والأسئلة التي أثارها، يبقى الرهان الحقيقي هو استخلاص الدروس المؤسساتية من الواقعة، عبر تطوير آليات اختيار المرشحين للاستوزار، وتوضيح معايير التحقق والمساءلة، وتعزيز مسؤولية الأحزاب في تقديم أسماء تستجيب ووضوح المعايير، بما يجعل تحمل المسؤولية العمومية التزاماً بالكفاءة والنزاهة وخدمة الصالح العام.