إبراهيم باعزيز
بين من يستند إلى التكوين المتخصص والعلوم الجنائية والتجربة المهنية لفهم الظواهر الإجرامية، ومن يعتمد على كاميرا الهاتف ونبرة الواثق لسرد الوقائع وتقديم القراءات، تبدو المسافة بين «الخَبِير» و«الخُبَيِّير» مجرد حرف مشدد، لكنها في ميزان المعرفة والاختصاص أبعد بكثير من أن تختصرها أرقام المشاهدات.
في زمن تمددت فيه منصات التواصل الاجتماعي لتصبح فضاءات موازية لتداول المعلومات، بات لقب «الخبير الأمني» حاضراً بقوة في المشهد الرقمي، وأصبح الجمهور أمام متحدثين يخوضون في أعقد الملفات الجنائية وأكثر القضايا القانونية تشعباً. غير أن الإشكال لا يتعلق بحق أي شخص في التعبير أو تقاسم تجربته، بل بالمعايير التي تستند إليها صفة الخبرة، ومدى وضوح التكوين والتخصص والتجربة التي تبرر تقديم صاحبها مرجعاً في مجال بعينه. فالهاتف الذكي والنبرة الواثقة والقدرة على شد الانتباه أدوات للتواصل، لكنها لا تشكل بمفردها مؤهلات علمية أو مهنية.
وهنا تبرز شخصية «الخُبَيِّير» في صورتها الساخرة؛ حكواتي العصر الرقمي الذي انتقل من الحلقة الشعبية إلى شاشة الهاتف، محتفظاً بأدوات السرد القديمة: التشويق والإطالة وشد انتباه الجمهور وترك النهايات معلقة إلى موعد الحلقة المقبلة. غير أن الحكاية، مهما بلغت درجة تشويقها، لا تتحول بمجرد تداولها إلى معرفة متخصصة، كما أن القدرة على رواية الوقائع لا تعني بالضرورة امتلاك أدوات تحليلها. فالحكواتي يقدم متعة السرد، أما الخبير فمن المفترض أن يقدم معرفة تستند إلى معطيات ومراجع ومنهج واضح. وتبدأ المفارقة عندما تختلط الوظيفتان، وتتحول الملفات الجنائية إلى «حَجَايات» تتوالد منها المقاطع والأجزاء، على إيقاع خوارزميات المنصات ومؤشرات المشاهدة.
ويبرز اسم هشام الملولي ضمن هذا النقاش، بالنظر إلى حضوره في تقديم محتوى ذي طابع أمني على منصات التواصل الاجتماعي، واقتران اسمه بوصف «خبير أمني» في بعض المواد المتداولة. وهي مناسبة لطرح سؤال أوسع حول المعايير المهنية والعلمية التي ينبغي أن تؤطر استعمال ألقاب الخبرة في هذا المجال. فالملولي سبق له الاشتغال في سلك الشرطة، وهي تجربة مهنية تظل جزءاً من مساره ويمكن أن تشكل رصيداً في استحضار بعض جوانب العمل الميداني. غير أن التجربة داخل مؤسسة أمنية، على أهميتها، تختلف عن التخصص الأكاديمي في العلوم الجنائية والقانون الجنائي وباقي فروع الدراسات الأمنية. فالممارسة المهنية تمنح صاحبها معرفة مرتبطة بطبيعة المهام التي اضطلع بها، بينما تقتضي الخبرة التخصصية، بحسب المجال المعني، تكويناً وإحاطة منهجية بالمراجع والضوابط العلمية والقانونية. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين نقل تجربة مهنية وبين تقديم تحليل متخصص في مختلف فروع المعرفة الأمنية.
وتقدم تجربة الطاهر سعدون، المتقاعد برتبة مساعد (أجودان)، نموذجاً آخر لتحول المسار المهني السابق إلى مادة للحضور الرقمي. فقد نقل الرجل جانباً من روايته عن تجربته المهنية إلى منصات التواصل الاجتماعي، من بينها حديثه عن تحرير مخالفة لطائرة، وروايته بشأن توقيف مجرمين بمفرده، فضلاً عن مواقف مرتبطة بالشأن المحلي، من بينها خلافه المعلن مع رئيس جماعة بشأن إنارة الشارع. وتثير هذه المضامين نقاشاً حول الطريقة التي يعاد بها تقديم التجارب المهنية أمام الجمهور، حين تتخذ بعض الروايات قالباً سردياً يميل إلى التشويق وإبراز التفاصيل المثيرة. فبين التوثيق المهني للوقائع وإعادة تقديمها في صيغة محتوى يستهدف استقطاب الجمهور مسافة تستحق التأمل. ولا يتعلق الأمر بمصادرة حق سعدون في استحضار تجربته أو رواية ما عاشه، بل بالتأكيد على أن التجربة السابقة، مهما كانت قيمتها، لا تجعل كل ظهور رقمي شهادة تخصص، ولا تحول كل واقعة إلى إنجاز استثنائي أو دليلاً على الإحاطة بمختلف فروع المعرفة الأمنية.
وتبلغ المفارقة ذروتها عندما يتجاوز بعض المحتوى سرد الوقائع إلى مناقشة التكييفات القانونية وتوقع العقوبات المحتملة، فيتحول فضاء المنصات إلى ما يشبه محاكم افتراضية تناقش الملفات قبل استكمال مساراتها القضائية. وهنا تبرز ضرورة الفصل بين الاشتباه والإدانة، وبين التكييف القانوني الأولي والحكم القضائي، وبين الانطباع الشخصي والمقتضى التشريعي. فالقانون ليس حكاية تروى وفق إيقاع المتحدث، والعقوبة ليست رقماً يلقى أمام الكاميرا لاستقطاب المشاهدات؛ إذ يخضع التكييف القانوني لشروط وأركان وضوابط، كما تظل قرينة البراءة واحترام المساطر القضائية من المبادئ التي ينبغي استحضارها في كل نقاش يتناول القضايا الجنائية.
لا أحد ينازع أصحاب التجارب المهنية السابقة في حقهم في التعبير وتقاسم ما راكموه من معرفة ميدانية، كما لا أحد يصادر حق الجمهور في متابعة الحكايات الجنائية أو الاستفادة من تبسيط الوقائع المعقدة. لكن الإشكال يبدأ حين تختلط جاذبية السرد بسلطة الاختصاص، وحين تتحول الألقاب المهنية إلى واجهة توحي بامتلاك معرفة شاملة دون توضيح حدودها ومصادرها. وبين الخبير الذي يفترض أن يشرح الوقائع بأدوات المعرفة، والحكواتي الذي يسترسل في روايتها بأسلوب مشوق، يبقى السؤال أكبر من مجرد لقب أو عدد المشاهدات: هل نحن أمام إنتاج للمعرفة الأمنية، أم أمام صناعة رقمية للحكاية الجنائية؟ ففي زمن أصبح فيه لكل قضية جمهور، ولكل تفصيل حلقة، ولكل نهاية محتملة جزء ثانٍ، تظل قيمة المعلومة في دقتها ومصادرها ومنهج تحليلها، لا في عدد المرات التي تروى فيها.