Preloader Image
news خبر عاجل
clock
التشهير أم النقد؟ كيف نحمي النقاش العمومي دون التضييق على حرية التعبير؟

التشهير أم النقد؟ كيف نحمي النقاش العمومي دون التضييق على حرية التعبير؟

قد يُدمَّر رصيد سنوات من العمل بكلمات قليلة، وقد يتحول اتهام غير متحقق منه إلى إدانة شعبية لا تمحو آثارها حتى بعد ظهور الحقيقة. في الفضاء الرقمي، لم يعد الخطر مقتصراً على نشر معلومة خاطئة، بل أصبح مرتبطاً بسرعة انتشارها، وقدرة المنشورات على المساس بسمعة الأشخاص قبل التثبت من الوقائع أو تمكين المعنيين من الرد. وبين من يتخذ حرية التعبير غطاءً للإساءة، ومن يعتبر كل انتقاد تشهيراً، يبرز تحدٍّ حقيقي: كيف نحمي حق الاختلاف والمساءلة دون تحويله إلى أداة للانتقام أو تصفية الحسابات؟

الفارق بين النقد والتشهير ليس مجرد اختلاف في حدة اللغة، بل فرق في المضمون والأساس والغاية. فالنقد يناقش قراراً أو موقفاً أو تدبيراً، ويستند إلى وقائع قابلة للفحص، ويترك المجال لتعدد الآراء وتقييم الأداء، حتى عندما يكون حاداً أو محرجاً. أما التشهير فتُثار إشكالاته عندما يتحول الخطاب إلى نشر ادعاءات تمس بسمعة شخص دون أساس موثوق، أو تُعرض الشكوك باعتبارها حقائق ثابتة، أو تُستعمل المعطيات الشخصية للإساءة بدل خدمة نقاش ذي مصلحة مشروعة. لذلك، لا يكفي أن يشعر شخص بالإهانة حتى يُصنَّف كل نقد تشهيراً، كما لا يكفي رفع شعار حرية التعبير لإضفاء المشروعية على كل اتهام منشور؛ فالتقييم يقتضي النظر في الوقائع والسياق والأدلة والحقوق المعنية، وفقاً للقانون.

وتتحمل الصحافة مسؤولية مضاعفة في رسم هذا الحد الفاصل، لأن المصداقية لا تُقاس بسرعة السبق وحدها، ولا بعدد المشاهدات والتفاعلات، بل بمدى التثبت من المعلومات ودقة إسنادها إلى مصادرها. فالصحافة المهنية مطالبة بالتمييز بين الخبر والرأي، وبين الشبهة والواقعة الثابتة، وتجنب تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق محسومة، مع احترام قرينة البراءة وحق الرد والتصحيح عند الاقتضاء. وتمتد المسؤولية إلى المنصات الرقمية التي تتيح انتشار المحتوى على نطاق واسع؛ إذ يظل من المهم أن تكون آليات التبليغ والمراجعة والتعامل مع المحتوى الضار واضحة وفعالة، بما يحد من الأذى غير المبرر دون تحويل الإشراف على المحتوى إلى وسيلة لحجب النقد المشروع أو إسكات الأصوات المخالفة. فالمطلوب ليس إلغاء النقاش، بل ضمان شروط أكثر إنصافاً ومسؤولية لممارسته.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش العمومي هو أن يصبح الخوف من التشهير ذريعة لإسكات المنتقدين، أو أن تتحول حرية التعبير إلى مبرر للتشهير بالآخرين. فالمساءلة حق حين تستند إلى الوقائع، والانتقاد ضرورة حين يتجه إلى القرارات والممارسات، لكن المساس بسمعة الأشخاص عبر ادعاءات غير متحققة قد يرتب مسؤولية قانونية بحسب طبيعة الأفعال والظروف المحيطة بها. ومن هنا، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين حرية التعبير وحماية الكرامة، بل بإرساء توازن يصون الحقين معاً: صحافة تتحقق قبل النشر، ومنصات تتعامل بمسؤولية مع المحتوى، وجمهور لا يحوّل كل منشور إلى حكم نهائي. فحرية التعبير القوية ليست تلك التي تقول كل شيء دون حساب، بل تلك التي تتيح النقد الجريء وتُلزم ممارسته باحترام الحقيقة وحقوق الآخرين.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات