جلسة البرلمان في مواجهة انتظارات المغاربة.. هل انتصرت المحاسبة والحلول أم سرقت الحسابات الحزبية الأضواء؟
مراد العطشان
كانت جلسة مجلس النواب المنعقدة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، والمخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه، مناسبة لطرح سؤال جوهري: هل كانت هذه المواجهة في مستوى انتظارات المغاربة؟ وهل نجحت الأطراف السياسية في تحويل النقاش إلى محاسبة حقيقية وتنافس حول الحلول، أم أن الحسابات الحزبية سرقت الأضواء من القضايا التي تمس حياة المواطنين؟
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة نقاشاً سياسياً قوياً حول الوعود الحكومية، وفرص الشغل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، طغت على أجزاء من الجلسة سجالات حادة وتبادل للاتهامات بين الفرقاء السياسيين، في مشهد يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على جعل مصلحة المواطن محوراً أساسياً للنقاش.
كان الأجدر بهذه الجلسة أن تتحول إلى مواجهة سياسية حقيقية، لا مجاملة فيها ولا تهاون؛ مواجهة تُكشف خلالها الاختلالات بالأرقام، وتُختبر فيها الوعود بالوقائع، وتُحاصر فيها الحكومة بالأسئلة الدقيقة، وتُقدم فيها بدائل واضحة وقابلة للتنفيذ. فالمعارضة القوية ليست تلك التي ترفع نبرة خطابها أو تدخل في سجالات حادة، بل تلك التي تمتلك من الحجج والملفات ما يجعل الحكومة مطالبة بتقديم أجوبة دقيقة وتحمل مسؤولية قراراتها والتزاماتها.
وفي المقابل، لا يكفي أن تدافع الأغلبية عن البرنامج الحكومي أو أن تتمسك بوجاهة اختياراتها؛ بل عليها أن تثبت بالأرقام والآجال والالتزامات القابلة للتقييم كيف ستواجه البطالة، وتحسن القدرة الشرائية، وتطور خدمات الصحة والتعليم، وتضمن عدالة توزيع ثمار التنمية. فالمواطن لم يعد ينتظر وعوداً جديدة بقدر ما ينتظر نتائج يمكن أن يلمسها في حياته اليومية.
المفارقة أن كل طرف يتحدث باسم الشعب، لكن الدفاع عن الحزب والموقع السياسي يكاد يطغى على الدفاع عن المواطن نفسه!
أين كان المواطن البسيط في خضم هذا السجال؟ أين أسرة ترهقها تكاليف المعيشة، وشاب يبحث عن فرصة عمل، ومريض ينتظر العلاج، وتلميذ يحتاج إلى مدرسة توفر له تعليماً جيداً؟ وأين النقاش الصريح حول الكلفة الاجتماعية للقرارات الحكومية، والآليات العملية لتنفيذ الوعود، ومواعيد المحاسبة على ما تحقق وما لم يتحقق؟
إن من حق المعارضة أن تكون شرسة في مساءلة الحكومة، ومن واجب الأغلبية أن تدافع عن برنامجها، لكن هذه المواجهة ينبغي أن تكون شرسة في كشف الحقائق، لا في تبادل الاتهامات؛ قوية في اقتراح البدائل، لا في استعراض المواقف؛ ومثمرة في نتائجها، لا في حجم الضجيج الذي تتركه خلفها.
فالبرلمان ليس حلبة لتصفية الحسابات الحزبية، ولا منصة لتسجيل النقاط أمام الأنصار. إنه مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فيها مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وأن يكون التنافس بين الفرقاء حول من يقدم الحلول الأنجع، ومن يمتلك القدرة على مراقبة التنفيذ ومحاسبة المسؤولين.
أما أن يتحول النقاش حول البرنامج الحكومي إلى مواجهة يغلب عليها الدفاع عن المواقع وتبادل الاتهامات، فإن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى التمثيل السياسي: هل يدخل المنتخبون إلى البرلمان للدفاع عن مصالح المواطنين، أم للدفاع عن اختيارات أحزابهم ومواقعها السياسية؟
لا قيمة لانتصار حزبي إذا ظل المواطن خاسراً في معركة الغلاء والبطالة وضعف الخدمات. ولا يكفي أن تنال الحكومة ثقة البرلمان بالأرقام، إذا لم تستطع في نهاية المطاف أن تكسب ثقة المواطنين بالنتائج.
لقد حان الوقت كي تدرك الأغلبية والمعارضة معاً أن المغاربة لا يقيسون أداء السياسيين بحدة المداخلات ولا بعدد الاتهامات المتبادلة، بل بما يتحقق على أرض الواقع. فالمواطن يريد شغلاً، وتعليماً جيداً، وعلاجاً متاحاً، وإدارة فعالة، وعدالة في الفرص، ويريد أن يعرف من يتحمل المسؤولية حين تتعثر الوعود.
إن أخطر ما يمكن أن تفرزه مثل هذه الجلسات ليس اختلاف الأغلبية والمعارضة، فالاختلاف جوهر الديمقراطية، بل أن يصبح الصراع الحزبي غاية في حد ذاته، وأن تتحول المؤسسة التشريعية إلى مسرح للمواقف بدل أن تكون فضاءً للمحاسبة وإنتاج الحلول.
فليتوقف الجميع عن ادعاء احتكار الدفاع عن الشعب، ولتُترك النتائج هي التي تحكم على الأداء. الوطن أكبر من الأحزاب، ومصلحة المواطن أسمى من الحسابات الانتخابية، والسياسة التي لا تنعكس إيجاباً على حياة الناس ليست سوى كلام مهما ارتفعت أصوات أصحابه.