حين تصبح الهمزة مادة للمزايدة والموتور عنواناً للسخرية.. هل عجز بعض النواب عن إحراج الحكومة بالأسئلة؟
عصام سبادي
حين تتحول مناقشة البرنامج الحكومي إلى سجال حول الهمزة وطريقة النطق، يصبح السؤال المحرج موجهاً إلى بعض النواب أنفسهم: هل جاؤوا إلى البرلمان لمناقشة ما ينتظره المغاربة من الحكومة، أم لاقتناص لحظات عابرة تستقطب الانتباه؟ ففي جلسة مجلس النواب يوم 22 أكتوبر 2026، المخصصة لجواب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن مداخلات الفرق والمجموعات النيابية، كان النقاش يتعلق ببرنامج حكومي جديد يفترض أن يرسم أولويات المرحلة المقبلة. ومع ذلك، فإن الانشغال بتفاصيل النطق واللهجة يطرح تساؤلاً عن ترتيب الأولويات داخل المؤسسة التشريعية: كيف يمكن استثمار دقائق ثمينة في التعليق على كلمة، بينما تتيح مناقشة البرنامج مجالاً واسعاً لمساءلة الحكومة عن وعودها وأهدافها والوسائل التي ستعتمدها لتحقيقها؟ حين تصبح الهمزة مادة للسجال، يحق للمواطن أن يسأل إن كانت الأسئلة السياسية قد نفدت، أم أن بعضهم وجد في السخرية طريقاً أقصر إلى الأضواء.
لا أحد يمنح رئيسة الحكومة حصانة من النقد، ولا يُطلب من النواب التنازل عن حقهم في الاعتراض، لكن المعارضة الجادة لا تُقاس بحدة التعليقات ولا بقدرتها على إحراج المسؤول بسبب طريقة كلامه. قوتها الحقيقية تظهر حين تسأل عن كلفة الالتزامات الحكومية، وآجال تنفيذها، ومصادر تمويلها، ومدى استفادة الفئات والمناطق التي ظلت تنتظر حلولاً ملموسة. أما اختلاف اللهجات، فهو جزء من التنوع المغربي، ولا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتندر داخل مؤسسة تمثل المغاربة على اختلاف مناطقهم. وإذا كان البرنامج الحكومي يستحق النقد، فإن الأولى أن ينصب النقاش على مضمونه، وعلى ما يتضمنه من أهداف قابلة للقياس، وما قد يعتريه من غموض أو نقص. فإحراج رئيسة الحكومة بسؤال دقيق عن التزاماتها أجدى من محاولة إحراجها بكلمة، لأن الأول يختبر السياسة والثاني قد لا يتجاوز حدود الاستعراض.
وفي مقابل هذا السجال، تكتسب ملاحظة النائب الشاب أسامة بارك بشأن الثواني التي ضاعت في التصفيق لمداخلته دلالة تستحق التأمل. فحين يلفت نائب الانتباه، ولو مازحاً، إلى قيمة الوقت، فإنه يذكر بأن الزمن البرلماني ليس مساحة مجانية للاستعراض، بل فرصة لإيصال مطالب المواطنين. وإذا كانت ثواني التصفيق تستحق الحساب، فإن الدقائق التي تُستهلك في نقاشات جانبية أولى بأن تُراجع. فهناك سكان في مناطق نائية وجبلية ينتظرون طرقاً تربطهم بمحيطهم، ومؤسسات صحية تستجيب لحاجاتهم، ومدارس توفر شروط التعلم، وشباب يبحثون عن فرص حقيقية للعمل. هؤلاء لا يعنيهم من انتصر في سجال لغوي، بل ما إذا كان ممثلوهم قد نقلوا معاناتهم إلى طاولة النقاش، وطالبوا الحكومة بإجابات والتزامات واضحة.
إن مناقشة البرنامج الحكومي ليست مناسبة لمراقبة الهمزات، بل لاختبار الوعود قبل أن تتحول إلى قرارات ومشاريع، ثم مراقبة تنفيذها حين يحين وقت التقييم والمحاسبة. ومن أراد أن يؤدي دوره الرقابي فعلاً، فليواجه الحكومة بالأسئلة التي تهم المواطنين، وليطالبها بتحديد الأولويات والآجال والنتائج المنتظرة، بدل استنزاف الوقت في تفاصيل لا تغير شيئاً في حياتهم. المغاربة لم ينتخبوا نواباً لتصحيح النطق، بل ليكونوا صوتهم في البرلمان. والسؤال الذي ينبغي أن يحرج كل نائب انشغل بالهامش هو: ما الذي عاد به المواطن من مداخلتك؟ فإذا انتهت الجلسة وبقيت انتظارات الناخبين خارج النقاش، فلن ينقذ التصفيق الموقف، ولن يحول التعليق الساخر إلى إنجاز سياسي.