مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.. من يضع حداً لـ«غرارين عيشة» في صفحات التطبيل السياسي؟
هل بدأت الانتخابات قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع؟ وهل تحولت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات لتقبيل أيدي السياسيين رقمياً، والتسابق على صناعة الهالة حول هذا الوجه أو ذاك؟ سؤال لم يعد مجرد استفهام عابر أمام مشهد رقمي يزداد صخباً، حيث أصبحت بعض الصفحات تلاحق بعض الوجوه السياسية بالصور والإشادة والعبارات المنمقة، وتحول كل نشاط أو تصريح إلى «إنجاز» يستحق الاحتفاء، وكأن المواطن مطالب بأن يرى السياسي بعين الصفحة لا بعينه هو. والأكثر إحراجاً أن بعض القائمين على هذه الصفحات يقدمون أنفسهم كمراسلين أو فاعلين في المجال الإعلامي، بينما تبدو ممارساتهم، في بعض الحالات، أقرب إلى صناعة الهالة منها إلى نقل الخبر. فهل أصبح طريق التقرب من بعض السياسيين يمر عبر منشور مملوء بالمديح؟ وهل يمكن أن يكون هذا التطبيل مجرد حماس مهني، أم أن وراءه، ربما، رغبة في الرضا أو التقرب أو انتظار شيء ما؟ لا أحد يجزم، لكن الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً من أن يتم تجاهلها.
المشكلة ليست في أن يشيد مواطن أو صفحة بمسؤول أو سياسي، فهذا جزء من حرية التعبير، وإنما في أن تتحول الإشادة إلى منهج يومي لصناعة صورة سياسية أحادية الجانب، خصوصاً عندما تختفي الأسئلة النقدية، وتتراجع المسافة المهنية، ويصبح السياسي دائماً ناجحاً، ومبادراته دائماً استثنائية، وأخطاؤه ـ إن وجدت ـ خارج عدسة الكاميرا. وهنا يصبح السؤال موجهاً بالدرجة الأولى إلى من يقدم نفسه كمراسل: هل مهمتك نقل ما حدث، أم إقناع الناس بأن ما حدث يستحق التصفيق؟ وهل وظيفة المراسل أن يرضي المسؤول أم أن يضع الحقيقة أمام الرأي العام، بما لها وما عليها؟ وإذا كان كل هذا التلميع نابعاً من قناعة شخصية، فليكن واضحاً ومعلناً، أما أن تقدم الدعاية المحتملة في صورة تغطية إخبارية، فهنا تحديداً تبدأ المنطقة الرمادية التي تستحق التدقيق.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يصبح الأمر أكثر حساسية. فالمنافسة لا ينبغي أن تكون فقط داخل القاعات واللقاءات والحملات، وإنما أيضاً في الفضاء الرقمي الذي أصبح قادراً على التأثير في الرأي العام وصناعة الانطباعات خلال ساعات. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مواصلة اليقظة والمواكبة، في إطار الاختصاصات والقوانين الجاري بها العمل، تجاه الصفحات والمحتويات التي قد تحاول التأثير في الرأي العام عبر التلميع المتواصل لبعض الوجوه السياسية أو تقديمها بصورة أحادية، خصوصاً عندما يتحول المحتوى من نقل النشاط إلى صناعة صورة سياسية تخدم طرفاً دون غيره. والدعوة هنا ليست إلى مساءلة وزارة الداخلية عن ظاهرة مستجدة، وإنما إلى مواصلة مواكبتها، أسوة بما تقوم به الوزارة من إجراءات وترتيبات متواصلة لتأمين الاستحقاقات وضمان حسن سيرها في أفضل الظروف. كما أن التنويه واجب بما راكمته الوزارة من تدابير تنظيمية وتأطيرية، وما تنهجه من مقاربة استباقية في الإعداد لهذه المحطات، بما يعكس حرصاً مؤسساتياً على حماية نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص. ويبقى الفضاء الرقمي، بما أصبح يمثله من قوة تأثير، أحد المجالات التي تستحق هذه اليقظة نفسها، حتى لا يتحول التلميع السياسي غير المعلن إلى عنصر مؤثر في اختيارات الناخبين قبل أن يصلوا إلى صناديق الاقتراع.
إن حماية نزاهة الاستحقاقات المقبلة لا تعني إسكات الصفحات، ولا منع أصحابها من التعبير، ولا استهداف حزب أو سياسي بعينه؛ بل تعني ببساطة منع أي توظيف محتمل للفضاء الرقمي بما يخل بتكافؤ الفرص أو يضلل المواطن بشأن طبيعة المحتوى الذي يستهلكه. ولهذا، فإن الرسالة واضحة: والمطلوب مواصلة اليقظة والتعامل مع هذه الظاهرة وفق القانون، حتى لا تتحول بعض الصفحات إلى منصات تأثير انتخابي غير معلنة. أما أصحاب هذه الصفحات، فالسؤال الذي سيظل يلاحقهم هو: هل تنقلون للمواطن ما يفعله السياسيون، أم تحاولون إقناع المواطن بمن يجب أن يعجبه السياسي؟ وهل كل هذا التطبيل مجاني فعلاً، أم أن هناك، ربما، من يبحث عن الرضا والقرب؟ لا اتهام هنا ولا حكم مسبق، وإنما أسئلة مشروعة تفرضها مرحلة انتخابية يفترض أن يكون فيها صندوق الاقتراع هو الذي يصنع النتيجة، لا صفحات التطبيل.