من تباروشت إلى الدار البيضاء.. وردية قطعت أزيلال وبني ملال بحثاً عن العلاج قبل أن تنتهي الرحلة بالموت
من أزيلال إلى بني ملال، ومن بني ملال إلى الدار البيضاء… طريق طويل قطعته الطفلة وردية بحثاً عن العلاج، قبل أن تنتهي رحلتها بالموت. وبين المسافة التي تفصل تباروشت عن المستشفى المتخصص، وبين ألم أسرة كانت تتشبث بالأمل، تطرح هذه الفاجعة سؤالاً أكبر من حالة طفلة واحدة: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى العلاج المتخصص رحلة شاقة في حد ذاتها؟
وفق المعطيات المتداولة حول الحالة، فإن وردية، المنحدرة من منطقة تباروشت بإقليم أزيلال، مرت عبر أكثر من مؤسسة صحية في مسار علاجي انتهى بها إلى مستشفى الهاروشي بالدار البيضاء، حيث وصلت في وضع صحي حرج، قبل أن تفارق الحياة رغم الجهود الطبية المبذولة لإنقاذها. ولا يعني هذا المسار، في حد ذاته، وجود خطأ طبي أو تقصير من طرف أي مؤسسة أو مهني صحي، كما لا يسمح قانونياً أو مهنياً باستباق نتائج أي بحث أو خبرة؛ غير أن رحلة طفلة مريضة بين مناطق جبلية ومدن متباعدة تفرض سؤالاً مشروعاً حول الزمن الذي يستغرقه الوصول إلى التكفل المتخصص، وحول مدى جاهزية منظومة الإحالة عندما تكون الحالة الصحية لا تحتمل الانتظار.
المؤلم في هذه القصة أن المرض لم يكن، بحسب المعطيات المتاحة، هو التحدي الوحيد الذي واجهته الطفلة وأسرتها؛ فقد كان هناك أيضاً عامل المسافة، وتعدد محطات التكفل، والحاجة إلى الانتقال من مجال جبلي إلى مراكز صحية أكبر بحثاً عن إمكانات علاجية متخصصة. وهنا تحديداً تبرز قضية العدالة الصحية والمجالية: هل يحصل الطفل الذي يعيش في منطقة جبلية بعيدة على الفرصة نفسها للوصول في الوقت المناسب إلى الطبيب المختص والتجهيزات والعلاج الذي قد يحتاجه طفل يعيش بالقرب من مركز استشفائي جامعي؟ هذا السؤال لا يتضمن اتهاماً لأي جهة، لكنه يضع واقع الولوج إلى العلاج أمام اختبار حقيقي.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة المجال الجغرافي بإقليم أزيلال، حيث سبق أن استدعت حالات أخرى تعبئة فرق الإنقاذ والخدمات المختلفة في مناطق جبلية صعبة الولوج، فيما أطلقت مبادرات صحية متنقلة بهدف تقريب بعض الخدمات من السكان في المناطق النائية. لكن تقريب الخدمات الصحية شيء، وضمان سلسلة متكاملة وسريعة للتشخيص والإحالة والتكفل المتخصص شيء آخر. فالمشكل لا يُقاس فقط بعدد المراكز الصحية الموجودة، وإنما أيضاً بقدرتها على التعامل مع الحالات المستعجلة، وبسرعة اتخاذ قرار الإحالة، وتوفر وسائل النقل الطبي، واستمرارية التكفل، ووصول المريض إلى المؤسسة القادرة فعلاً على التعامل مع وضعه الصحي في الوقت المناسب.
ولهذا فإن قضية وردية، بعيداً عن أي استنتاج متسرع، تستحق أن تفتح نقاشاً جدياً حول الطريق إلى العلاج قبل العلاج نفسه. فحين تضطر أسرة من منطقة جبلية إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن رعاية متخصصة لطفل مريض، يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت المنظومة الصحية قادرة على اختصار هذه المسافات عندما تكون كل دقيقة مهمة. أما تحديد ما إذا كان مسار التكفل في حالة وردية قد جرى وفق القواعد والإجراءات الطبية المعمول بها، وما إذا كانت هناك ظروف كان يمكن أن تغير مسار الحالة، فذلك أمر لا يمكن حسمه بالصحافة أو بالتخمين، وإنما يحتاج إلى الملف الطبي الكامل والمعطيات الدقيقة وتسلسل الإحالات، وأي بحث أو خبرة مختصة عند الاقتضاء.
وردية ليست رقماً في سجل المرضى، ولا ينبغي أن تتحول وفاتها إلى مجرد خبر عابر. إنها مأساة أسرة، وفي الوقت نفسه مناسبة لإعادة طرح سؤال العدالة الصحية من زاوية عملية: ماذا لو كان المريض طفلاً؟ ماذا لو كانت حالته تستدعي تخصصاً غير متوفر بالقرب من مكان إقامته؟ وكم من الوقت يحتاج فعلياً للوصول إلى المؤسسة القادرة على علاجه؟ أسئلة لا تستهدف طبيباً ولا مستشفى ولا مؤسسة بعينها، وإنما تبحث عن إجابة أوسع: هل ما زال الموقع الجغرافي للمريض قادراً على تحديد المسافة التي تفصله عن العلاج الذي يحتاجه؟