إبراهيم باعزيز
تحتاج بعض الصور إلى مسافة كي تبدو كاملة. ومن بعيد، تبدو فرنسا بالنسبة إلى كثير من الشباب المغاربة فرادوساً مكتمل الملامح: تعليم متطور، خدمات منتظمة، وفرص أوسع. غير أن المسافة ذاتها التي تصنع جلال الصورة، تُخفي غالباً ندوب التفاصيل.
تلك التفاصيل جاءت هذه الأيام من قلب المؤسسات التعليمية الفرنسية نفسها؛ حيث يتظاهر تلاميذ وطلبة احتجاجاً على نقص المدرسين، واكتظاظ الأقسام، وتداعي ظروف التحصيل. وفيما انحرفت بعض الاحتجاجات إلى مواجهات وأعمال تخريب استدعت تدخل السلطات والملاحقة القضائية، برزت حقيقة أخرى: المشهد لا يسقط النموذج الفرنسي، لكنه يجرّده من صورة الكمال.
على الضفة الأخرى من المتوسط، لا تبدو قصة جيل «زد» المغربي بعيدة من حيث الشغف بالتغيير، وإن اختلفت السياقات والإمكانات. ففي شتنبر 2025، خرج شباب مغاربة في حراك قادته حركة «GenZ 212»، رافعين مطالب تمس قطاعات حيوية، في مقدمتها التعليم والصحة والخدمات العمومية.
بين باريس والرباط، تختلف الأزمات والمعطيات، لكننا أمام جيل عابر للحدود، تتشكل هويته في عصر أضحت فيه المقارنة اللحظية جزءاً من اليومي والمُعاش.
باريس.. حين يتظاهر الجيل من داخل «النموذج»
في فرنسا، اندلع الغضب من المكان المفترض فيه الهدوء: المدرسة.
تركزت المطالب حول اختلالات تمس جوهر العملية التعليمية، من نقص التأطير التربوي واكتظاظ الفصول إلى ضغط الجداول الدراسية وظروف البنية التحتية. ومع إغلاق مئات المؤسسات التعليمية وتأثر عدد أكبر من المؤسسات، اتسعت رقعة الاحتجاج.
غير أن المشهد انقسم على نفسه؛ فإلى جانب التظاهر السلمي، شهدت بعض الاحتجاجات أعمال عنف وحرائق ومواجهات مع الأمن، ما فتح نقاشاً حول حدود التعبير ومسؤولية القاصرين.
وهنا يبرز التمييز الواضح: الاحتجاج حق، بينما التخريب يخضع للقانون، كما أن حفظ النظام العام يظل مرتبطاً بضرورة احترام القواعد القانونية ومبدأ التناسب.
المفارقة لا تكمن في وجود أزمات داخل فرنسا، فهذا أمر تعرفه المجتمعات مهما بلغت درجة تطورها، وإنما في أن الجيل الذي يراه كثير من الشباب خارج فرنسا جزءاً من «النموذج المكتمل»، يراه من الداخل ويطالب بإصلاحه.
وهنا تتحول التجربة الفرنسية إلى مادة للتأمل بالنسبة إلى القارئ المغربي: ليس لإثبات أن التجربتين متماثلتان، وإنما لفهم أن أي مجتمع، مهما بلغت درجة تقدمه، يظل مفتوحاً على الاختلال والإصلاح.
الرباط.. الوعي المتشكل من خلف الشاشة

قبل الحراك الفرنسي الحالي، كان المغرب قد عاش في شتنبر 2025 لحظته الخاصة مع جيل «زد».
وعبر حركة «GenZ 212»، خرج الشباب عن أطر الوساطة التقليدية، واستُخدم الفضاء الرقمي للتعبئة قبل انتقال المطالب إلى الشارع. ولم يكن الحراك مجرد احتجاج قطاعي، بل عكس أيضاً حساسية متزايدة تجاه الفجوة بين ما يطمح إليه الشباب وما يجدونه في واقعهم اليومي.
تكمن الخصوصية هنا في الشاشة.
فالشاب المغربي لم يعد يقارن وضعه فقط بما يراه لدى جيرانه أو أبناء مدينته، بل يستطيع في ثوانٍ أن يشاهد جامعة في فرنسا، أو مستشفى في ألمانيا، أو تجربة تعليمية في كندا، ثم يقارن تلك الصورة مباشرة بواقعه المحلي.
لكن هذا التدفق الهائل للمعلومات يحمل معه إشكالاً آخر: ما يظهر على الشاشة ليس دائماً الصورة الكاملة للحياة.
فالمحتوى الرقمي يعرض غالباً أفضل اللحظات والواجهات الأكثر جاذبية، بينما تبقى خلفها تفاصيل السكن والغلاء والضغط الدراسي وصعوبة الاندماج ومشكلات سوق الشغل بعيدة عن الكاميرا.
المقارنة العادلة.. نقطة البداية واختلاف الإمكانات

التعليم هو أرض الاختبار الأبرز لفهم هذا التباين.

في فرنسا، تأتي الاحتجاجات داخل منظومة قطعت أشواطاً طويلة في بناء بنياتها ومؤسساتها، لكنها تواجه بدورها تحديات مرتبطة بجودة التعليم والموارد البشرية وظروف العمل والدراسة.
أما في المغرب، فتأتي المطالب داخل منظومة ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالجودة وتكافؤ الفرص والثقة في المدرسة العمومية وتحسين ظروف التمدرس.
التشابه في «قلق الجيل» موجود، لكن المقارنة تتوقف عند حدود السياقات والإمكانات والتاريخ.
فليس من الدقيق أن تتحول معاناة فرنسا من الاكتظاظ أو نقص المدرسين إلى مبرر للتقليل من الاختلالات المغربية، كما ليس من الدقيق أيضاً تجاهل الفوارق الهيكلية بين البلدين لمجرد أن كليهما يعرف احتجاجات مرتبطة بالتعليم.
يمكن لبلد أن يحقق تقدماً كبيراً في التنمية ويظل مطالباً بتجويد مدارسه، ويمكن لبلد آخر أن يواجه اختلالات أعمق مع استمرار خطوات الإصلاح.
المشكلة، في النهاية، ليست في المقارنة نفسها، بل في الطريقة التي تتم بها.
المائل والمستقيم.. بين أوروبا المتخيلة والواقع المعيش


تميل النفس البشرية إلى استحضار أفضل ما لدى الآخر ومقارنته بأسوأ ما لدينا.
نطالع الجامعات الغربية من خلال واجهاتها الأكاديمية البراقة، ونغفل أحياناً عن أزمات السكن الطلابي وارتفاع تكاليف المعيشة والضغط الذي يواجهه كثير من الطلبة.
ونشاهد المستشفيات الحديثة، من دون أن تظهر لنا بالضرورة أزمات التمويل ونقص الموارد البشرية وضغط العمل الذي تواجهه الأطقم الصحية.
في المقابل، نعيش النقائص المحلية يومياً في المدرسة والمستشفى والإدارة، فتظل حاضرة أمام أعيننا وتكبر تفاصيلها بحكم الاحتكاك المباشر بها.
هذا لا يعني غض الطرف عن الاختلالات الوطنية؛ فالاعتراف بها هو بداية أي إصلاح جاد.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا نضع أوروبا في صورة مثالية مطلقة، كما لا ينبغي اختزال الواقع المغربي في صورة قاتمة لا ترى إلا النقص.
الصورة التي تصلنا عبر الشاشة ليست بالضرورة كذبة، لكنها بالتأكيد ليست كل الحقيقة.
الواقع بالواقع.. لا بالصورة المتخيلة
لا يحتاج جيل «زد» إلى أوهام جديدة، بل إلى واقع أفضل وإصلاحات ملموسة.
من باريس إلى الرباط، تعبر هذه الفئة العمرية عن تطلعات متقاربة بأدوات مختلفة: تعليم أكثر جودة، خدمات أكثر كفاءة، ومستقبل يستجيب لطموحاتها.
وفي الوقت نفسه، تظل المحافظة على المسافة بين المطالبة المشروعة والتخريب مسألة أساسية في أي حراك مدني، كما أن الوعي الحقيقي لا يقتصر على نقد الواقع المحلي، بل يشمل أيضاً قراءة تجارب الآخرين كما هي، بما لها وما عليها.
السؤال الأكثر نضجاً ليس: «لماذا لا نكون مثلهم؟»
بل: كيف نستفيد من تجارب الآخرين، ومن نجاحاتهم وأزماتهم معاً، لبناء واقع أفضل هنا؟
هنا تبدأ المقارنة الرشيدة: مواجهة الواقع بالواقع، لا بظلال الصور.