الانتخابات تقلب الأدوار: خمس سنوات من البحث عن المنتخبين… واليوم تبدأ حملة البحث عن الناخبين!
عصام سبادي
في السياسة المحلية، يبدو أن للانتخابات قدرة عجيبة على إعادة ترتيب المشهد، بل وربما إعادة توزيع الأدوار أيضاً. فطوال الولاية، قد يجد المواطن نفسه في موقع الباحث عن المنتخب: يبحث عن موعد، عن لقاء، عن جواب، عن تدخل، أو حتى عن مجرد فرصة لشرح مشكلة تؤرق حيه أو جماعته أو منطقته. ومع اقتراب الاستحقاقات، قد تنقلب الصورة بهدوء شديد: المنتخب أو المرشح هو الذي يبدأ في البحث عن المواطن. يا لها من ديمقراطية أنيقة في تبادل الأدوار! خمس سنوات للمواطن كي يبحث، وبعض الوقت للمنتخب كي يُبحث عنه!
وبطبيعة الحال، لا يصح وضع جميع المنتخبين في سلة واحدة؛ فهناك من يظل حاضراً بين المواطنين، يتواصل معهم ويتابع قضاياهم بعيداً عن الحسابات الانتخابية، وهناك من قد تكون ظروف اشتغاله مختلفة أو مرتبطة بإكراهات حقيقية. لكن الحديث هنا عن المفارقة التي قد تظهر في بعض الحالات، وعن سؤال مشروع يفرض نفسه كلما اقترب موعد الاقتراع: لماذا لا يكون ذلك الحضور الذي نراه في نهاية الولاية حاضراً بالوتيرة نفسها في بدايتها ووسطها؟ ولماذا قد تصبح الأبواب أكثر انفتاحاً، واللقاءات أكثر كثافة، والوجوه أكثر حضوراً عندما يبدأ العد العكسي للانتخابات؟
المواطن، خلال السنوات الماضية، لم يكن يجلس في انتظار الانتخابات حتى تظهر مشاكله. مشاكل الأحياء لم تأخذ موعداً انتخابياً، والطرق لم تنتظر الحملات الانتخابية حتى تتدهور، والإنارة والنظافة والنقل والمرافق والخدمات لم تكن تعرف أن هناك صناديق اقتراع في الأفق. فلماذا تتحول هذه الملفات، أحياناً، إلى عناوين حاضرة بقوة عندما تقترب الانتخابات؟ وهل يحتاج المنتخب إلى موسم انتخابي كي يتذكر أن وراء كل ملف مواطناً، ووراء كل رقم ناخباً، ووراء كل حي أسرة تنتظر جواباً؟
والأطرف أن المواطن قد يعيش خلال الولاية رحلة تكاد تكون كوميدية: هو الذي يبحث عن المسؤول، ثم يصبح المسؤول هو الذي يبحث عنه؛ هو الذي يطلب اللقاء، ثم يصبح اللقاء مطلوباً منه؛ هو الذي يسأل عن الوعود، ثم تُقدم له وعود جديدة قبل أن يحصل أحياناً على إجابات واضحة بشأن القديمة. فهل أصبحت الانتخابات موعداً لتجديد الثقة فقط، أم أنها أيضاً موعد لتجديد الذاكرة؟ وهل يمكن طلب فرصة جديدة من المواطن من دون منحه أولاً فرصة حقيقية لمناقشة الحصيلة السابقة؟
وهنا تحديداً ينبغي أن يصبح المواطن أكثر إزعاجاً بالمعنى الديمقراطي للكلمة. لا أن يتهم، ولا أن يشهر، ولا أن يظلم أحداً، وإنما أن يسأل بكل هدوء: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ لماذا؟ وما الذي حال دون إنجاز ما تم الإعلان عنه سابقاً؟ فإذا كان المرشح يطلب خمس سنوات إضافية، فمن الطبيعي أن يتذكر المواطن السنوات الخمس السابقة. وإذا كان من حق السياسي أن يقدم وعود المستقبل، فمن حق المواطن أن يستحضر وعود الماضي. فالذاكرة الانتخابية ليست إساءة، والمساءلة ليست خصومة، والسؤال عن الحصيلة ليس اتهاماً.
وربما هنا تكمن المفارقة التي تستحق شيئاً من السخرية: المواطن الذي كان يُقال له «انتظر» طوال الولاية، قد يسمع عند اقتراب الانتخابات «نحن في خدمتكم». حسناً، لا بأس… لكن لماذا لا تكون الخدمة دائماً؟ لماذا لا يكون التواصل دائماً؟ ولماذا لا يحتاج المواطن إلى موعد انتخابي حتى يجد من يسمعه؟
المسؤول المنتخب ليس مطالباً بأن يحقق المستحيل، ولا يمكن تحميله كل ما يحدث داخل منطقة أو جماعة، فهناك اختصاصات وإمكانات وإكراهات وتداخلات كثيرة. لكن المطلوب ببساطة هو أن تكون المسافة بين المنتخب والمواطن متقاربة طوال الولاية، لا أن تقصر فجأة عندما تقترب صناديق الاقتراع. لأن المواطن لا يريد بالضرورة مسؤولاً يظهر كثيراً قبل الانتخابات، بل مسؤولاً يمكن العثور عليه عندما تكون الانتخابات بعيدة.
وفي النهاية، ربما حان الوقت لأن يتوقف تبادل الأدوار عند حدوده الطبيعية: المواطن يصوّت، والمنتخب يشتغل؛ المواطن يسأل، والمنتخب يجيب؛ المواطن يراقب، والمنتخب يشرح؛ وعندما تقترب الانتخابات، لا تبدأ العلاقة من الصفر. أما طلب خمس سنوات جديدة، فليست المشكلة في أن يطلبها أي مرشح، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما السؤال الذي يستحق أن يسبق الطلب هو: ماذا فعلتم بالخمس سنوات التي منحكم فيها المواطن ثقته؟
فإذا كانت الإجابة مقنعة، فليُفتح الباب لخمس سنوات أخرى. وإذا كانت الحصيلة تحتاج إلى شرح، فليُشرح الأمر. وإذا كانت بعض الوعود لم تتحقق لأسباب موضوعية، فليُقل ذلك بوضوح. أما أن يطلب المواطن طوال الولاية أن يبحث عن المنتخب، ثم يُطلب منه في نهايتها أن يكون هو المطلوب… فهذه، على الأقل، مفارقة انتخابية تستحق أن تُروى بسخرية قبل أن تُروى بالأرقام.