عندما تصبح القيود بركة والعزلة علاجاً.. «بويا عمر» من مزار للمرضى النفسيين إلى صفحة مطوية
إبراهيم باعزيز — صحفي متدرب
على امتداد عقود، ظل اسم «بويا عمر» حاضراً في الذاكرة المجتمعية المغربية؛ ليس فقط باعتباره معلماً صوفياً، بل أيضاً كعنوان لظاهرة اجتماعية معقدة ارتبطت بعائلات كانت تلجأ إلى محيط الضريح بحثاً عن علاج لأفراد يعانون اضطرابات نفسية، في ظل معتقدات شعبية ربطت المرض أحياناً بالمس.
يقع الضريح بإقليم قلعة السراغنة، وحوله نشأت عبر الزمن فضاءات لإيواء القادمين من مختلف مناطق البلاد.
ومع اتساع الظاهرة وغياب التأطير الطبي المؤسساتي في محيط المزار، تحولت تلك الفضاءات تدريجياً إلى ملجأ لمئات الحالات التي كانت تعيش بعيداً عن شبكة الرعاية الصحية الرسمية، مما جعل الملف يدخل شيئاً فشيئاً دائرة اهتمام السلطات الصحية والهيئات الحقوقية.
أما شخصية بويا عمر نفسها، فترتبط في الروايات التاريخية والمحلية بأواخر القرن السادس عشر، وتتناقل الروايات أنه ارتحل في مرحلة من حياته إلى زاوية تامكروت الناصرية لطلب العلم، كما تنسب إليه روايات محلية تأسيس الزاوية، لتظل تفاصيل سيرته محكومة بالرواية الصوفية أكثر من استنادها إلى توثيق تاريخي قاطع.
منعطف أبريل 2015: تقرير وزارة الصحة
شهد الملف منعطفاً حاسماً في أبريل 2015، حين كشفت دراسة ميدانية أنجزتها وزارة الصحة، بمشاركة أطباء نفسانيين ومتدخلين آخرين، عن ظروف صعبة عاشها نزلاء محيط الضريح.
وأفادت المعطيات الرسمية الصادرة عن الوزارة آنذاك بأن 70 في المائة من النزلاء لم يكونوا يتلقون علاجاً، كما سجلت الدراسة ممارسات اعتُبرت انتهاكاً لكرامة المرضى وحقوقهم الإنسانية.
هذا النقاش حول المعتقد الشعبي وطرق العلاج التقليدية تحول بالتالي إلى قضية ذات أبعاد حقوقية وإنسانية، تفرض تدخلاً مؤسساتياً لإيجاد بدائل علاجية حقيقية.
يونيو 2015: إطلاق مبادرة «كرامة»
في يونيو من السنة نفسها، أعلنت السلطات عن إطلاق مبادرة «كرامة»، التي استهدفت إنهاء إيواء المرضى النفسيين بمحيط الضريح ونقلهم إلى المؤسسات الصحية المختصة.
وفي 29 يونيو 2015، أعلنت وزارة الصحة رسمياً انتهاء العملية، مؤكدة عبر معطياتها الرسمية أن المستشفيات استقبلت 795 مريضاً، من بينهم 5 في المائة من النساء، بينما استعادت الأسر 27 مريضاً بطلب منها.
وخضع المرضى للفحوصات الطبية والنفسية، مع توفير الأدوية والعناية الصحية لهم داخل المؤسسات الاستشفائية.
صفحة مطوية وأسئلة مستمرة
بإسدال الستر على مرحلة الإيواء في محيط المزار، انتهت مرحلة أثارت نقاشاً واسعاً في تاريخ التعاطي مع الصحة النفسية بالمغرب.
ومع أن اسم «بويا عمر» يظل مرتبطاً تاريخياً بذاكرة هذه الظاهرة، فإن طي هذه الصفحة شكّل محطة بارزة نحو ترسيخ مقاربة تقوم على أساس التكفل الطبي والعلمي، وتأكيد حقوق الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية في العلاج والرعاية داخل المؤسسات العمومية المختصة.