قد يتحول شارع علال الفاسي، من حيث لا يدري، إلى «شاهد» سياسي هادئ على مرحلة جديدة في مسار خليل بولحسن. فقبل أسابيع قليلة، كان هذا الشارع عنواناً لمساءلة وجهها بولحسن إلى الأغلبية داخل مجلس جماعة مراكش، حيث أثار التأخر في الأشغال وطرح أسئلة حول سير الورش وآجال الإنجاز وجودة الأشغال، مطالباً بتوضيحات يفترض أن تكون في متناول المجلس والرأي العام. واليوم، وبعد إعلان التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات الأغلبية المسيرة للمجلس، لم يعد السؤال فقط: لماذا تأخرت الأشغال؟ بل أصبح أيضاً: هل ستعود القضية إلى الواجهة من بوابة بولحسن نفسه؟ وهل سيواصل طرح الأسئلة ذاتها بعدما تغير موقعه السياسي؟
المثير هنا أن شارع علال الفاسي لا يحتاج إلى تأويلات سياسية كثيرة، فالوقائع المتعلقة بالأشغال تبقى هي نفسها، بينما الذي تغير هو موقع صاحب السؤال. فإذا كان بولحسن قد اعتبر، قبل أسابيع، أن وضعية الورش تستحق المساءلة وطلب التوضيح، فمن الطبيعي أن ينتظر المتابعون منه اليوم معرفة ما إذا كانت تلك الأسئلة قد وجدت أجوبة واضحة. هل قدمت له المعطيات المتعلقة بأسباب التأخر؟ هل تم توضيح الآجال؟ وهل كانت هناك أجوبة بشأن جودة الأشغال ومراحل الإنجاز؟ وإذا كانت الإجابات قد قدمت فعلاً، فما الذي تغير منذ ذلك الحين؟ وإذا لم تقدم، فهل سيعيد المستشار فتح الملف من موقعه الجديد؟ أسئلة لا تتضمن حكماً مسبقاً، لكنها تضع الموقف السابق أمام امتحان الممارسة اللاحقة.
وتزداد المفارقة وضوحاً بالنظر إلى المسار الحزبي لبولحسن، الذي انتقل من حزب العدالة والتنمية إلى حزب الاستقلال، قبل أن يحط الرحال سياسياً في حزب الأصالة والمعاصرة. انتقالات حزبية يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من الحياة السياسية واختياراتها، ولا يصح اختزالها تلقائياً في تفسير واحد أو نسبة دوافع غير معلنة إلى صاحبها. لكن ما يمكن للصحافة أن تفعله هو المقارنة بين المواقف المعلنة والمواقع السياسية المتعاقبة. فبين «المصباح» و«الميزان» و«الجرار» تغيرت العناوين، بينما يبقى السؤال مشروعاً: هل بقيت البوصلة الرقابية ثابتة؟
وهنا تكمن المسألة التي تستحق المتابعة، لا لأن تغيير الحزب مشكلة في حد ذاته، وإنما لأن الانتقال إلى حزب يوجد داخل الأغلبية يجعل المواقف السابقة أكثر قابلية للمقارنة. فالمساءلة لا ينبغي أن تكون مرتبطة بموقع انتخابي معين، كما أن جودة مشروع أو تأخر ورش لا يفترض أن تتغير أهميته بتغير الانتماء السياسي للمنتخب. وإذا كان بولحسن يرى أن ملف علال الفاسي يحتاج إلى مزيد من التوضيح، فموقعه الجديد يمنحه فرصة لمواصلة السؤال من الداخل، وربما الحصول على معطيات أكثر تفصيلاً. أما إذا تبين أن الملف أخذ مساره الطبيعي وأن الإشكالات التي أثارها سابقاً تمت معالجتها، فإن توضيح ذلك للرأي العام سيكون بدوره موقفاً سياسياً واضحاً.
ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في البيانات ولا في عبارات الترحيب بالانضمام ولا في الخريطة الحزبية الجديدة، وإنما في أول فرصة يعود فيها ملف من الملفات التي سبق لبولحسن أن أثارها إلى طاولة النقاش. هل سيطلب معطيات جديدة؟ هل سيطالب بتوضيحات حول الآجال؟ هل سيسأل عن جودة الأشغال؟ وهل سيظل صوت المساءلة حاضراً بالحدة نفسها؟ أم أن الملف سيأخذ طريقه بعيداً عن السجال؟ لا أحد يستطيع الإجابة مسبقاً، ولذلك فإن انتظار المداخلة المقبلة أكثر دقة من إطلاق الأحكام. فالممارسة وحدها هي التي ستكشف ما إذا كان الانتقال الحزبي قد غيّر الموقع فقط، أم غيّر أيضاً طريقة النظر إلى الملفات.
وفي انتظار تلك المداخلة، يبقى شارع علال الفاسي أكثر من مجرد ورش يعرف التأخر أو الأشغال؛ لقد أصبح، بحكم الصدفة السياسية، نقطة تقاطع بين موقف سابق وموقع جديد. وبولحسن اليوم لا يحتاج إلى الدفاع عن الماضي بقدر ما يحتاج إلى الإجابة عن المستقبل: هل ستظل الأسئلة التي طرحها بالأمس مطروحة اليوم؟ المراكشيون لا تعنيهم كثيراً أسماء الأحزاب بقدر ما تعنيهم نتيجة المشاريع على الأرض، ولا يهمهم من أي موقع يأتي السؤال بقدر ما يهمهم أن يصل إلى جواب. ولذلك، فإن «المصباح» و«الميزان» و«الجرار» قد تتغير، لكن السؤال الذي تركه شارع علال الفاسي مفتوحاً لا يزال قائماً: هل يتغير المقعد فقط، أم تبقى الأسئلة في مكانها؟