من كان يشتري اللحم دون أن يفكر كثيراً في ثمنه، أصبح اليوم يحسبها بالدرهم والقطعة والوجبة. هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة داخل محلات الجزارة، بل صورة تختصر تحوّلاً لافتاً في سلوك الاستهلاك، في ظل مستويات سعرية مرتفعة تتحدث عنها معطيات مهنية وإعلامية، بالتزامن مع حديث مهنيين عن تراجع الإقبال. فالزبون الذي كان يطلب كيلوغراماً قد يكتفي بنصفه، ومن كان يشتري بشكل منتظم قد يؤجل الشراء، ومن كان يعتبر اللحم مكوناً عادياً في مائدته قد يجعله مرتبطاً بعطلة أو مناسبة. وبين سعر يضغط على جيب المواطن وطلب يتراجع في السوق، يبدو أن الغلاء بدأ يفرض قواعد جديدة على واحدة من أكثر المواد حضوراً في المائدة المغربية.
المفارقة أن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة أن الجزار يعيش وضعاً أفضل. فالمهني يشتري بدوره بكلفة مرتفعة، ثم يجد نفسه أمام زبون أصبح أكثر حساسية للسعر، ما قد يؤدي إلى انخفاض الكميات المباعة حتى عندما يكون ثمن الكيلوغرام أعلى. وهنا تظهر معادلة يصعب تجاهلها: كلما ارتفعت الكلفة على المستهلك، تقلصت قدرته على الشراء، وكلما تراجع حجم الطلب، وجد المهني نفسه أمام سوق أقل حركة. لذلك فإن الحديث عن أسعار اللحوم لا ينبغي أن يتوقف عند واجهة محل الجزارة، بل يتطلب النظر إلى الطريق الذي تقطعه اللحوم من الإنتاج إلى المستهلك، وما يرافق هذه الرحلة من تكاليف وظروف عرض وطلب.
والسؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا يصل اللحم إلى المستهلك بهذا المستوى السعري، بينما يتحدث المهنيون في الوقت نفسه عن تراجع الإقبال؟ لا يتعلق الأمر بالضرورة بحلقة واحدة أو بجهة بعينها، إذ تتداخل في تحديد السعر عوامل مرتبطة بالإنتاج وتكاليف التربية والأعلاف والنقل والتوزيع والجملة والتقسيط. لكن استمرار النقاش حول الأسعار يجعل الحاجة إلى معطيات أكثر وضوحاً حول مسارها أمراً مشروعاً: كيف يتغير السعر من حلقة إلى أخرى؟ وما الذي يفسر الفارق بين سعر الاقتناء وسعر البيع النهائي؟ وإلى أي حد ينعكس أي تراجع في أسعار الجملة على المستهلك؟ أسئلة لا تحمل اتهاماً لأحد، لكنها ضرورية لفهم سوق أصبحت أسعارها تؤثر بشكل مباشر في قرارات الأسر.
وفي النهاية، قد تكون القضية أكبر من مجرد «ثمن اللحم». فإذا استمر المستهلك في تقليص الكميات وتغيير وتيرة الشراء، فإن أثر الغلاء لن يبقى محصوراً في ميزانية الأسرة، بل سينعكس أيضاً على حركة التجارة. فالمهني يحتاج إلى بيع منتوجه، والمستهلك يحتاج إلى سعر يستطيع تحمله، والمربي يحتاج إلى سوق تسمح له بمواصلة الإنتاج. وبين هذه الحلقات جميعها، يصبح التحدي هو الوصول إلى سعر متوازن لا يدفع المواطن إلى الانسحاب من السوق ولا يضع المهني أمام ركود متزايد. فإذا أصبح اللحم الذي كان يُشترى بشكل عادي يحتاج اليوم إلى “مناسبة” ليدخل إلى المائدة، فهل نحن أمام مجرد ارتفاع في الأسعار، أم أمام تغيير أعمق في عادات المغاربة الاستهلاكية؟