في لحظة تبدو فيها بعض التحولات الاجتماعية أكثر هدوءاً من أن تُلتقط بالعين المجردة، وأسرع من أن تُقرأ في المؤشرات اليومية، يطفو من قلب النخيل الشمالي، وتحديداً أحياء دار التونسي وديور البون، سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح: كيف لأحياء ارتبطت لسنوات بصورة الاستقرار والانضباط و الثقافة الرياضية أن تجد نفسها اليوم أمام حديث متزايد حول مؤشرات اجتماعية جديدة داخل بعض الفضاءات، يُتداول بشأنها ما يرتبط بانتشار تعاطي المخدرات في أوساط بعض الشباب والمراهقين؟ سؤال لا يسعى إلى تضخيم الصورة، بقدر ما يضع الواقع أمام ضرورة القراءة الميدانية الدقيقة لما يجري داخل هذه الأحياء.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال التنويه بالجهود المتواصلة التي تبذلها ولاية أمن مراكش، في انسجام تام مع التوجيهات العامة لوالي الأمن محمد مشيشو، حيث تواصل عملها الميداني المتواصل القائم على اليقظة، والتدخل السريع، والتفاعل المباشر مع مختلف التحولات التي تمس الإحساس العام بالأمن، ضمن دينامية أمنية واضحة تهدف إلى تعزيز الاستقرار وترسيخ الطمأنينة في مختلف مناطق المدينة. وهي جهود تُسجَّل وتُقدَّر في سياقها المؤسساتي العام. غير أن ما يفرض نفسه داخل النخيل الشمالي، وتحديداً دار التونسي وديور البون، هو سؤال أكثر حساسية يرتبط بمدى انعكاس هذا الحضور على تفاصيل الحياة اليومية كما يعيشها السكان فعلياً على الأرض.
وهنا تبدأ الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح، دون إصدار أحكام، ولكن بدافع الفهم: إلى أي حد يمكن تفسير القرب الجغرافي للدائرة 15 التابعة للمنطقة الأمنية الثانية من أحياء دار التونسي وديور البون كعامل كافٍ لترسيخ الإحساس اليومي بالأمن؟ وهل يكفي هذا التموقع المؤسساتي، مهما كان قريباً، إذا لم يترجم إلى حضور ميداني متكرر وملموس في الأزقة والنقاط التي تعرف حركة يومية كثيفة؟ ولماذا يظل جزء من الإحساس بالأمن لدى الساكنة مرتبطاً أساساً بما يُرى فعلياً من انتشار للدوريات، أكثر من ارتباطه بالبنية الإدارية القريبة؟
ثم يطرح واقع الحال سؤالاً : هل مستوى التواجد الميداني الحالي في دار التونسي وديور البون يعكس فعلاً حجم التحولات الاجتماعية التي تعرفها هذه الفضاءات، أم أن طبيعة التموقع الجغرافي للدائرة الأمنية قد تجعل جزءاً من التدخل اليومي أقل حضوراً في التفاصيل الدقيقة للمشهد اليومي؟ وكيف يمكن تفسير هذا الفارق بين القرب الإداري من جهة، والإحساس الفعلي بالأمن كما يعيشه المواطن من جهة أخرى؟
إن الإحساس بالأمن، كما تصفه الساكنة، لا يُقاس فقط بقرب المقرات أو توزيع الدوائر، بل بمدى حضور العناصر الأمنية في الشارع بشكل منتظم ومرئي، وبقدرة هذا الحضور على تحويل الطمأنينة إلى واقع يومي ملموس. ومن هذا المنظور، تبدو أحياء النخيل الشمالي اليوم أمام سؤال مفتوح حول مستوى الحضور الميداني ومدى استجابته للتحولات الاجتماعية التي تعرفها المنطقة، بما يجعلها تحافظ على صورتها كأحياء آمنة ونموذجية. فهل تكون المرحلة القادمة فرصة لإعادة تعزيز هذا الحضور بشكل أكثر انتظاماً ووضوحاً، بما ينسجم مع الدينامية الأمنية القائمة وتطلعات الساكنة نحو إحساس أقوى بالأمن في دار التونسي وديور البون؟