قد يكون الإنسان هو الكائن الوحيد غير المؤهل لاستعمال هذا الرصيف. أما "الحناش" والزواحف، فربما لن تجد أي صعوبة في العبور. هذه ليست مبالغة، بل وصف يفرضه مشهد يثير أكثر من علامة استفهام في أحد شوارع تاركة بمراكش، حيث يبدو، وفق ما تُظهره المعاينة الميدانية، أن الجزء المتبقي للمشاة من الرصيف أصبح بالغ الضيق، إلى درجة يصعب معها تصور مرور شخص واحد بأمان، فما بالك بأم تدفع عربة طفل، أو مسن، أو شخص في وضعية إعاقة. فهل تسمح القوانين فعلاً بوضع كهذا؟ وإن كان الأمر مرخصاً، فأين يبدأ حق المشاة وأين ينتهي؟ وإن لم يكن كذلك، فمن الجهة التي يفترض أن تتدخل لتوضيح هذه الوضعية للرأي العام؟
المشهد، كما يبدو للعيان، لا يقتصر على ضيق المساحة المخصصة للراجلين، بل يثير أيضاً تساؤلات حول طبيعة الأشغال المنجزة بمحاذاة الرصيف، حيث تبدو التهيئة مختلفة عن الشكل المعتاد للفضاء العمومي. ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة تستحق التوضيح: هل تمت هذه الأشغال في إطار ترخيص صادر عن الجهة المختصة؟ وهل تشمل، إن وجدت، تغيير تهيئة الرصيف أو استغلال جزء منه؟ وهل تمت مراعاة الضوابط القانونية والتقنية المتعلقة بضمان مرور المشاة في ظروف آمنة؟
وإذا كان الأمر يستند إلى ترخيص قانوني، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذا الترخيص وحدوده، وما إذا كانت النصوص المنظمة لاستغلال الملك العمومي تجيز تقليص فضاء الراجلين إلى هذا الحد. كما يظل من المشروع التساؤل عن الكيفية التي يتم بها التوفيق بين أي ترخيص محتمل وبين حق المواطنين في استعمال الرصيف باعتباره جزءاً من الفضاء العمومي المخصص أساساً لتنقلهم. أما إذا كانت هذه الوضعية لا تستند إلى ترخيص، فإن السؤال ينتقل تلقائياً إلى الجهات المكلفة بالمراقبة: هل تمت معاينة الحالة؟ وهل يجري التحقق من مدى مطابقتها للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل؟
ولا يتعلق الأمر هنا بمحل أو مشروع بعينه، بقدر ما يتعلق بمبدأ عام يهم جميع المواطنين. فالملك العمومي ليس مجرد مساحة عمرانية، بل مرفق مشترك يفترض أن يضمن سلامة الجميع دون تمييز، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة. لذلك يظل التساؤل قائماً حول مدى احترام المعايير التي تضمن مرور المشاة بأمان، وحول الآليات المعتمدة لمراقبة أي تدخل قد يطرأ على الأرصفة، سواء تعلق باستغلالها أو بإعادة تهيئتها.
وفي انتظار أي توضيح رسمي من الجهات المختصة، يبقى المشهد كما هو: رصيف يثير الاستغراب أكثر مما يؤدي وظيفته، وممر يبدو، في نظر كثير من المارة، أقرب إلى مسلك صُمم لـ"الحناش" منه إلى فضاء خُصص لتنقل المواطنين. وبين هذا الانطباع وما قد تكشفه الجهات المختصة من معطيات أو تراخيص، يظل السؤال الأهم قائماً: هل ما يشاهده المواطن اليوم ينسجم فعلاً مع القواعد المنظمة للملك العمومي وحق الراجلين في التنقل الآمن، أم أن الأمر يستوجب توضيحاً وتدخلاً يبددان كل لبس؟