إبراهيم باعزيز
من أحلام المستطيل الأخضر إلى ميكروفون الراي، ومن أغنيات الحب والفراق إلى ذاكرة جيل كامل، حكاية فنان عاش ستة وعشرين عاماً، لكنه ترك وراءه رصيداً غنائياً ظل حاضراً بعد رحيله.
هناك أغانٍ تنتهي عندما ينتهي اللحن، وأخرى تستمر في التداول لأن كلماتها وألحانها ارتبطت بتجارب عاشها المستمعون.
وحين يقول الشاب حسني: «مزال سوفونير عندي»، لا تبدو العبارة اليوم مجرد مقطع من أغنية؛ فبعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، أصبحت مرتبطة أيضاً بسيرة صاحبها نفسه.
رحل حسني في سن السادسة والعشرين، لكن أغانيه بقيت حاضرة في المشهد الموسيقي المغاربي، وانتقلت من جيل إلى آخر.
من المستطيل الأخضر إلى مسارح وهران
قبل أن يرتبط اسمه بالراي العاطفي، كان حسني شقرون، المعروف فنياً بالشاب حسني، يحمل طموحاً مختلفاً: كرة القدم.
اتجه لاحقاً إلى الموسيقى، وبدأ الغناء في الأعراس والحفلات، قبل أن يجد طريقه إلى المشهد الفني في وهران.
ولد حسني سنة 1968 في وهران، وبدأ تسجيل أعماله في منتصف الثمانينيات. وفي سنة 1987، شكل تعاونه مع الشابة زهوانية إحدى أبرز محطات انطلاقه، بعدما ساهمت أعمالهما المشتركة في توسيع حضوره داخل مشهد الراي.
وخلال سنوات قليلة، انتقل اسمه من جمهور وهران إلى جمهور أوسع داخل الجزائر، ثم إلى الجالية المغاربية في فرنسا.
«الراي العاطفي».. حين دخلت الأغنية إلى يوميات الشباب
كان الراي موجوداً قبل حسني، لكن تجربته ارتبطت بشكل خاص بالجانب العاطفي منه، من خلال أغنيات تناولت الحب والفراق والغيرة والخصام والانتظار.
لم تكن هذه الموضوعات جديدة في الغناء، لكن حسني قدمها بلغة قريبة من الحياة اليومية، وهو ما ساعد على وصولها إلى شريحة واسعة من الشباب.
ومن بين الأعمال التي ارتبطت باسمه «البيضا مون أمور»، و«طال غيابك يا غزالي»، و«مزال سوفونير عندي»، وهي أعمال تعكس اللون العاطفي الذي ارتبط باسمه خلال سنوات نشاطه.
وكانت ظاهرة الكاسيت عاملاً أساسياً في انتشار حسني. فقد عُرف بإنتاج غزير خلال سنوات قليلة، وتحدثت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في أكتوبر 1994، عن أكثر من مئة شريط خلال ست سنوات.
هذه الكثافة الإنتاجية جعلت اسمه حاضراً باستمرار في سوق الكاسيت، في وقت كان فيه الشريط وسيلة أساسية لاكتشاف الأغاني وتداولها في الجزائر ومحيطها المغاربي.
صوت الشباب في زمن الخوف ورصاصة 29 شتنبر
حقق حسني خلال بداية التسعينيات انتشاراً واسعاً، في وقت كانت الجزائر تعيش اضطرابات سياسية وأمنية عنيفة.
وفي يوليوز 1993، أحيا حفلاً في الجزائر العاصمة حضره أكثر من 150 ألف شخص، وفق ما أوردته مصادر صحفية، في واحدة من أبرز محطات مسيرته الجماهيرية.
وفي ذلك السياق، اكتسبت أغنيات الراي العاطفي حضوراً خاصاً لدى الشباب، لأنها تناولت الحب والعلاقات والحياة اليومية في فترة كان فيها العنف والخوف حاضرين في المشهد العام.
وتناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية حسني باعتباره أحد أبرز وجوه الراي العاطفي، مشيرة إلى تأثيره الكبير في الشباب الجزائري والجالية المغاربية في فرنسا، وإلى إنتاجه الغزير من أشرطة الكاسيت.
وفي 29 شتنبر 1994، اغتيل الشاب حسني في وهران عن عمر 26 عاماً، لتنتهي بذلك مسيرة فنية قصيرة زمنياً، لكنها كانت غزيرة الإنتاج وواسعة الانتشار.
جاء اغتياله في خضم العشرية السوداء في الجزائر، وهي فترة شهدت عنفاً واسعاً طال المجتمع ومجالات الحياة العامة والثقافة والفن. وبقي مقتل حسني مرتبطاً في الذاكرة الثقافية الجزائرية بتلك المرحلة، وبالمكانة التي احتلها الراي في حياة الشباب آنذاك.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود ذكرى 29 شتنبر لتعيد اسمه إلى الواجهة، باعتباره واحداً من أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الراي العاطفي.
«مزال سوفونير عندي».. كيف هزمت الأغنية الغياب؟
من أشرطة الكاسيت إلى الأقراص المدمجة، ثم إلى الوسائط الرقمية، تغيرت طريقة الوصول إلى أغاني حسني، لكن أعماله بقيت حاضرة في التداول الموسيقي.
ولم يعد جمهوره مقتصراً على من عاصروه في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات؛ فقد وصلت أغانيه أيضاً إلى أجيال لم تعش الفترة التي ظهر فيها، وأعيد تداول أعماله في سياقات موسيقية جديدة.
وهكذا استمر اسم الشاب حسني مرتبطاً بالراي العاطفي، وبمرحلة محددة من تاريخ الأغنية الجزائرية، فيما ظلت أعماله تنتقل من جيل إلى آخر.
ستة وعشرون عاماً كانت عمره، لكنها لم تكن كافية لإنهاء حضوره الفني.
«مزال سوفونير عندي».. وربما هذه المرة، كان حسني هو الذكرى.