أكفاي تحت ضغط الفوضى السياحية.. منافسة غير شريفة ودخلاء يسيئون إلى جودة الخدمات ويهددون سمعة الوجهة
تحولت منطقة أكفاي، الواقعة بضواحي مراكش، في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية الصاعدة، بفضل طبيعتها الفريدة وقربها من المدينة الحمراء، غير أن هذا الانتعاش الذي كان يفترض أن يشكل فرصة لتنمية سياحية منظمة، بدأ يطرح في المقابل أسئلة مقلقة حول واقع القطاع بالمنطقة، في ظل تنامي مظاهر المنافسة غير الشريفة، وظهور دخلاء على الميدان، وتراجع جودة عدد من الخدمات المقدمة للزوار.
وبينما استثمر عدد من المهنيين أموالاً مهمة في تطوير مشاريع سياحية تستجيب للمعايير المطلوبة من حيث الاستقبال، والتجهيز، والسلامة، والتأطير المهني، يجد هؤلاء أنفسهم اليوم في مواجهة وضع وصفه متتبعون بـ”غير المتكافئ”، بسبب انتشار ممارسات عشوائية وظهور فاعلين يشتغلون خارج الضوابط المهنية والقانونية، ما أفرز اختلالاً واضحاً في شروط المنافسة داخل واحدة من أكثر المناطق السياحية استقطاباً للزوار في محيط مراكش.
وبحسب مهنيين وفاعلين محليين، فإن منطقة أكفاي تعرف في الآونة الأخيرة توسعاً ملحوظاً لأنشطة وخدمات يقدمها أشخاص لا يتوفرون على الحد الأدنى من الخبرة أو التأهيل أو حتى الالتزام بشروط العمل المهني المنظم، مستفيدين من الإقبال المتزايد على المنطقة، ومن غياب المراقبة الصارمة في بعض الجوانب المرتبطة بتنظيم القطاع.
ويؤكد متحدثون من داخل الميدان أن بعض هؤلاء الدخلاء دخلوا المجال بدافع الربح السريع فقط، دون أي تصور مهني يحترم طبيعة المنتوج السياحي الذي تقدمه أكفاي، ودون الالتزام بما يفرضه القطاع من جودة في الخدمات، أو ضمانات للسلامة، أو احترام لصورة الوجهة السياحية التي راكمت إشعاعها بفضل مجهودات عدد من المستثمرين الجادين.
الإشكال، وفق عدد من المهنيين، لا يتعلق فقط بوجود فاعلين جدد في السوق، بل بطريقة اشتغالهم التي تخلق منافسة غير عادلة مع المشاريع المهيكلة. فالمستثمر الذي يلتزم بالمساطر القانونية، ويوفر فضاءً مجهزاً، ويشغل يداً عاملة، ويؤدي تكاليف التسيير، والتأمين، واللوجستيك، يجد نفسه مضطراً لمنافسة عروض تقدم بأثمنة منخفضة، لكنها لا تحترم لا الجودة ولا الضوابط المهنية.
هذا الوضع، يضيف مهنيون، يجعل السوق مختلاً، لأن من يشتغل في إطار منظم يتحمل أعباء حقيقية، بينما يستفيد آخرون من هامش واسع للمناورة خارج منطق القانون والالتزام، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين، ويجعل الجودة نفسها في وضعية تراجع أمام منطق “الأرخص والأسرع”، حتى وإن كان ذلك على حساب صورة أكفاي ومصلحة الزبون.
ومن أخطر ما يفرزه هذا الواقع، وفق متابعين للشأن السياحي المحلي، هو تراجع جودة بعض الخدمات المقدمة للزوار، سواء تعلق الأمر بالاستقبال، أو التنظيم، أو الأنشطة الترفيهية، أو العروض المقدمة ضمن التجارب السياحية بالمنطقة. فحين يتحول القطاع إلى مجال مفتوح لكل من أراد الاستثمار السريع دون تكوين أو تجربة أو التزام مهني، فإن النتيجة تكون في الغالب خدمات عشوائية، وتجارب دون التوقعات، ووعود لا تنعكس على أرض الواقع.
وفي قطاع أصبح فيه الزائر يحكم على الوجهة من خلال تقييمه لتجربته الخاصة، فإن أي خدمة رديئة لا تضر فقط بصاحبها، بل تنعكس على صورة المنطقة بأكملها. وهو ما يهدد أكفاي، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في فرض نفسها كخيار سياحي يجمع بين الهدوء والطبيعة والتجربة الصحراوية القريبة من مراكش، بأن تتحول إلى وجهة مرتبطة بالفوضى وضعف التنظيم بدل الجودة والتميز.
أصحاب المشاريع الجادة في أكفاي، ممن راهنوا على تطوير منتوج سياحي محترم، يعتبرون أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يوجه ضربة قوية للاستثمار المنظم في المنطقة. فحين لا تكون هناك حماية للمنافسة الشريفة، ولا آليات واضحة لردع الممارسات العشوائية، يصبح المستثمر الجاد في موقع ضعف، رغم أنه الطرف الذي يساهم فعلياً في خلق مناصب الشغل، وتحسين صورة المنطقة، وتقديم خدمة تحفظ للزائر كرامته وللمجال قيمته.
ويحذر مهنيون من أن التساهل مع الفوضى قد يدفع عدداً من المستثمرين إلى مراجعة استثماراتهم أو التراجع عن تطوير مشاريعهم، في وقت تحتاج فيه أكفاي إلى جذب مزيد من المبادرات النوعية، لا إلى خلق مناخ يطرد الفاعلين الجادين ويشجع على الرداءة.
وفي ظل هذه الاختلالات، ترتفع أصوات مهنية ومحلية مطالبة بتدخل الجهات المختصة من أجل إعادة ضبط القطاع السياحي بأكفاي، من خلال وضع حد للفوضى التي بدأت تتسلل إلى عدد من الخدمات والأنشطة. وتتمثل أبرز المطالب في تشديد المراقبة على الجهات التي تشتغل خارج الضوابط، وربط مزاولة الأنشطة السياحية باحترام شروط واضحة تتعلق بالجودة والسلامة والتصريح والتنظيم، إلى جانب حماية المستثمرين الملتزمين من المنافسة غير الشريفة.
كما يشدد فاعلون على أن الرهان اليوم لم يعد فقط هو استقطاب المزيد من الزوار، بل ضمان أن يكون المنتوج السياحي المقدم في مستوى سمعة مراكش ومحيطها، وأن تتحول أكفاي إلى نموذج في السياحة المنظمة، لا إلى فضاء مفتوح للمغامرات التجارية العشوائية التي قد تربح سريعاً، لكنها تخسر ثقة الزبون وتضرب مستقبل المنطقة.
ما تعيشه أكفاي اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد حركية سياحية نشطة أو تنوع في العروض، بل هو اختبار حقيقي لقدرة المنطقة على الانتقال من مرحلة الجاذبية الطبيعية إلى مرحلة النضج المهني والتنظيمي. فإما أن يتم وضع قواعد واضحة تحمي المنافسة الشريفة، وترفع جودة الخدمات، وتضع حداً للدخلاء على القطاع، وإما أن تستمر الفوضى في التوسع إلى أن تتحول من استثناء إلى قاعدة.
وبين هذا وذاك، يبدو واضحاً أن مستقبل أكفاي كوجهة سياحية واعدة لن يتحدد فقط بعدد الزوار أو حجم الإقبال، بل بمدى قدرة الفاعلين والسلطات على حماية الميدان من العبث، وضمان بيئة مهنية سليمة تعطي لكل ذي حق حقه، وتضمن للزائر تجربة تحترم تطلعاته، وللمنطقة سمعة تستحقها.