في العديد من الأحياء الشعبية، لا تقتصر جلسات "اللمة" الشبابية على احتساء الشاي أو تبادل أطراف الحديث، بل تتعداها أحياناً لتشكل طقوساً خاصة، يبرز فيها اصطلاح "المعجون" كأحد الموروثات غير الرسمية لتركيبة مخدرة تُعد بطرق عشوائية. وهنا يطرح السؤال الذي يغيب عن أذهان الكثيرين: عندما يتكلف أحد الأصدقاء بتحضير كمية جماعية رفقاً بأصحابه، وبـ "ثمن السلعة فقط" دون زيادة أو ربح، فهل يحميه منطق "الصحبة" من طائلة القانون؟ أم أن المشرع يقرأ تفاصيل هذه الخدمة المجانية بلغة أخرى تماماً؟
داخل بعض الدوائر الشبابية في مدن كبرى كمراكش، تعود الناس على تكليف شخص معين يمتلك "مهارة" دمج مشتقات القنب الهندي (الحشيش) مع مكونات أخرى كالمكسرات والعسل والتوابل. وتتم العملية في إطار تطوعي بحت؛ إذ يقتصر دور المعني بالأمر على اقتناء المواد الخام وإعدادها، ليتم تقسيم الحصص لاحقاً بناءً على تكلفة الشراء المادية الخالصة.
هذا السلوك يُنظر إليه داخلياً على أنه مجرد "خدمة وديّة" أو "عمل جماعي" لتقليل التكلفة وتوفير الجهد، بعيداً عن منطق التجارة والربح السريع الذي يميز شبكات ترويج المخدرات المنظمة. غير أن هذا الدافـع الاجتماعي البريء في ظاهره، يصطدم عاجلاً أم آجلاً بصخرة الواقع القانوني الصارم.
من الناحية القانونية البحتة، خصوصاً في ظل التشريعات الجاري بها العمل في المغرب (وعلى رأسها ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات)، لا يعترف القضاء بمنطق "الخدمة الودية" أو "غياب الربح التجاري" عند ضبط مواد مخدرة موجهة للغير.
بمجرد أن يُضبط الشخص وبحوزته كمية تفوق معدل الاستهلاك الشخصي الفردي، ويعترف أمام عناصر الضابطة القضائية بأن جزءاً منها أوكل إليه تحضيره لفائدة أصدقائه، فإنه يتخلى تلقائياً عن صفة "المستهلك الوحيد".
* فخ الاعتراف: إقرار الموقوف بتوزيع المادة المخدرة على آخرين، حتى وإن كان بثمنها الأصلي، يُعتبر في محاضر الشرطة والدرك إقراراً صريحاً بحيازة مواد مخدرة ونقلها وتوزيعها لحساب الغير.
* توسيع مفهوم الإتجار: القانون لا يشترط لتحقق جريمة "الترويج" وجود دكان أو تحقيق أرباح مالية؛ بل إن مجرد التدخل في مسار صنع، تحضير، أو تسليم المادة المخدرة لشخص آخر يكفي لتوجيه تهم ثقيلة تتعلق بالحيازة غير المبررة بقصد الإتجار والمساهمة فيها.
ظروف التخفيف مقابل قسوة النصوص
صحيح أن هيئات الحكم قد تأخذ بعين الاعتبار -أثناء أطوار المحاكمة وتقدير العقوبات- غياب النية التجاريّة البحتة، وظروف النازلة، وكون المتهم لم يكن سوى حلقة ضعيفة انساقت خلف أعراف جلسات السمر؛ إلا أن هذه الدفعات تبقى مجرد ظروف تخفيفية تقديرية وليست مبررات للإفلات من العقاب. فالتكييف القانوني الأساسي للفعل يظل لصيقاً بجرائم المخدرات، وما يترتب عنها من عواقب وخيمة تعصف بمستقبل الشباب في لحظة طيش أو استهتار بعواقب القانون.
يظل الفارق كبيراً بين ما تؤطره ثقافة الشارع من مفاهيم التضامن والخدمات المتبادلة بين الأصدقاء، وبين الموازين الدقيقة والزاجرة للقانون الجنائي. وحدها التوعية بخطورة هذه الممارسات الكفيلة بأن تدرك العقول أن "خدمة الصديق" التي تبدأ بجلسة عابرة قد تنتهي بملف ثقيل وردهات المحاكم، حيث لا تفيد لغة الأعراف في إسقاط أحكام النصوص.