في أيامنا هذه، أصبحنا نعيش ونعاين في مجتمعنا سلوكيات غريبة أصبحت تُجمع اليوم تحت مصطلح دارج بقوة وهو "تهركاويت" أو "الهركاوة". هذا المفهوم، بعيداً عن المصطلحات الفضفاضة والتحليلات الجافة، يصف ببساطة واقعاً معاشاً وممارسات مخلة بالآداب العامة وبالقانون، باتت تنغص المعيش اليومي للمغاربة. والصدمة الكبرى هي عندما تصدر هذه التصرفات من أشخاص مفترض فيهم الوعي، لكنهم في الشارع أو مع الجيران يمارسون "الهركاوة" في أبشع تجلياتها، وكأن الفضاء المشترك مستباح بلا حسيب ولا رقيب.
أول هذه السلوكيات المقززة التي تشوه فضاءنا العام هي قلة الحياء والتبول علناً في الشوارع وعلى الجدران وأسوار المآثر وتحت قناطر الراجلين، دون أدنى احترام للمارة أو العائلات أو حتى لحرمة بيوت الله والمؤسسات. وينضاف إلى ذلك "الهركاوة" المرورية؛ حيث تجد سائقين يخرقون بوقاحة قوانين السير، يضوبلون من جهة اليمين، يقطعون الطريق على عباد الله، ويفرطون في استعمال المنبهات الصاخبة (الكلاكسون) في أنصاف الليالي قرب المستشفيات والأحياء السكنية دون أي مبرر مستعجل. هاد الفوضى تمتد أيضاً إلى احتلال الأرصفة بالسلع والكراسي وبضائع الباعة الجائلين، لدرجة أن الراجلين، خصوصاً النساء بعربات الأطفال أو المسنين، لم يعودوا يجدون متراً واحداً للمشي بأمان، مما يضطرهم للمخاطرة بحياتهم وسط قارعة الطريق.
أما داخل العمارات والإقامات السكنية، فإن "تهركاويت" تحولت إلى العنوان الرئيسي لمعظم الصدامات ونزاعات الجوار. "الهركاوي" هنا هو ذلك الجار الذي لا يعترف بحرمة الجار؛ يقلق راحة الساكنة بالصداع في أوقات متأخرة، يطلق الموسيقى أو التلفاز بأعلى صوت، أو يبدأ في أعمال الحفر والهدم والإصلاحات الصاخبة في أيام العطل وساعات الراحة دون أن يكلف نفسه عناء الاستفسار إن كان جاره مريضاً أو لديه أطفال رضع. ويزداد الطين بلة بالتخلص العشوائي من نفايات البناء (المرطوب والأتربة) والأزبال المنزلية وتركها في الممرات المشتركة أو الدروج، والتهرب المزمن من أداء مصاريف "السنديك" مع الإصرار على الاستفادة من كل الخدمات، وهو سلوك يقتل طمأنينة العيش المشترك ويشعل فتيل التوتر المستمر.
في المحصلة، هذه التصرفات المخلة بالذوق وبالقانون لا تقف عند حد تشويه جمالية المدن، بل تضرب في الصميم الأمن النفسي والسكينة العامة للمواطنين. وبما أن التشكي والندم في مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد يغير من الواقع شيئاً، فقد أصبح من الضروري تفعيل "اليد الحارة" للقانون، وعودة الحزم الزجري لمعاقبة كل من يلوث، يخرب، أو يقلق راحة العباد. وبالموازاة مع ذلك، نحن في أمس الحاجة إلى إحياء تلك "الغيرة" القديمة على الحومة، وعلى النقاء، وعلى الوقار والوقوف في وجه السلوك المخل، لكي ننظف يومياتنا ونعيد الاعتبار لثقافتنا الأصيلة المبنية على الحشمة، النزاهة، واحترام الجوار.