لم يعد الفضاء الرقمي مساحة للتواصل الإنساني أو تبادل المعرفة، بل تحول إلى سوق استهلاكي ضخم تُحركه خوارزميات باردة تقيس نبض الجمهور بأرقام المشاهدات وساعات التفاعل. في هذه البيئة، لم تعد الشهرة ثمرة لموهبة حقيقية أو إنجاز فكري يستحق التقدير، بل أصبحت سلعة رخيصة تُصنع في أيام معدودة عبر استنزاف الفضول البشري. تعتمد المنصات على معادلة مظلمة: كلما زاد منسوب الاستفزاز، ارتفعت نسب المشاهدات، واقتربت عقود الإعلانات والأرباح. والأخطر في هذه المعادلة أن "الغضب" و"السخرية" لا يقلان شأناً عن "الإعجاب"؛ فالمتابع الناقد والغاضب يساهم بنفس القدر من حيث لا يدري في تغذية العدادات ورفع أرباح صناع المحتوى الفارغ، ليصبح المتلقي شريكاً في الجريمة الرقمية.
وسط هذا السباق المحموم نحو الصدارة والربح السريع، انحدرت بعض محتويات شبكات التواصل الاجتماعي نحو أدنى درجات الإسفاف، حيث برز استغلال الجسد والإيحاء الجنسي كأقصر الطرق وأكثرها فجاجة لاختراق شاشات الهواتف. ما بدأ كحركات أو تصرفات عابرة، تحول تدريجياً إلى نموذج تجاري مدروس ومقنن؛ تتدخل فيه ملابس الإغراء، والحركات المسبقة الحساب، والعناوين الموحية لاستدراج غرائز المتابعين. لم يعد الأمر مجرد محتوى عادي، بل تحولت أجساد بعض "المؤثرين" إلى لوحات إعلانية بشرية تُعرض فيها التفاهة بأرخص الأثمان، وتُستغل لتحويل المشاهدات الوهمية إلى أرباح مادية ملموسة على حساب الذوق العام والكرامة الإنسانية.
إن هذا التغول الرقمي يضع المجتمع أمام أزمة أخلاقية وفكرية حقيقية؛ فحين تتصدر النماذج الفارغة والمبتذلة واجهة المشهد، تتم تصفية المحتوى الهادف وتهميش الأصوات الجادة. إن تحويل الجسد البشري إلى أداة جذب تجاري ووسيلة رخيصة لجلب الإعلانات يستوجب وقفة جادة، لإعادة الاعتبار لقيم الإبداع الحقيقي، ولحماية الفضاء الرقمي من أن يتحول إلى مستنقع تفقد فيه الكلمات والأجساد كل معانيها النبيلة.