حين تدفع حرارة المنازل الأسر إلى أرصفة الشوارع… هل تحتاج مراكش إلى منتزهات ومسابح عمومية أكبر؟
عصام سبادي
إذا كان مشهد العائلات التي تفترش المساحات العشبية المحاذية للطرق خلال الأمسيات الصيفية يثير كثيرًا من التساؤلات، فإن ما يسبقه نهارًا لا يقل أهمية. فمراكش، المعروفة بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تضم آلاف الأسر التي تقطن مساكن تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة، فتتحول مع مرور الوقت إلى فضاءات يصعب احتمالها. وهنا لا يدور الحديث عن الفئات القادرة على اقتناء أجهزة التكييف أو تحمل تكاليف تشغيلها، وإنما عن شريحة واسعة من الأسر محدودة الدخل التي تجد نفسها أمام واقع مناخي قاسٍ، لا تملك في مواجهته سوى البحث عن أي متنفس عمومي يخفف عنها وطأة الحر.

وعندما يحل المساء، يصبح السؤال أكبر من مجرد خروج عائلات للتنزه؛ إذ يتعلق بمدى توفر المدينة على فضاءات كافية وآمنة تستوعب هذا الطلب المتزايد، أم أن الأرصفة والمساحات العشبية المحاذية للطرق أصبحت، بالنسبة إلى كثيرين، الخيار الذي فرضته الضرورة أكثر مما فرضه الاختيار؟

وإذا كانت ليالي الصيف تكشف هذا المشهد بوضوح، فإن ذلك يدفع إلى طرح تساؤلات حول مدى مواكبة التخطيط الحضري للتحولات التي تعرفها المدينة. فلا أحد ينكر ما تحقق من أوراش لتأهيل الطرق والمحاور الكبرى وتحسين البنية التحتية، وهي مشاريع لها أهميتها في تطوير المدينة وتعزيز جاذبيتها، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل واكبت هذه الأوراش الاستثمار في فضاءات العيش الموجهة للمواطن؟ وأين هي المنتزهات العمومية الكبرى القادرة على استقبال آلاف الأسر التي تبحث كل مساء عن مكان آمن ومريح؟ وهل يكفي ما هو متوفر اليوم لمدينة تتوسع أحياؤها ويتزايد عدد سكانها باستمرار؟ ولماذا لا يُفتح نقاش أوسع حول إحداث متنزهات كبرى موزعة على مختلف المقاطعات، مجهزة بالإنارة والمرافق الضرورية، بما ينسجم مع خصوصية مراكش المناخية التي تجعل الفترات المسائية التوقيت المفضل لخروج العائلات؟
ولا يقف الأمر عند الفضاءات الخضراء، بل يمتد أيضًا إلى المسابح العمومية التي تتحول، خلال ساعات النهار، إلى المتنفس الطبيعي للأطفال والشباب في مواجهة حرارة الصيف. والسؤال هنا لا يتعلق بوجود هذه المرافق، وإنما بمدى كفاية طاقتها الاستيعابية مقارنة بحجم الطلب المتزايد عليها. فهل تستوعب المسابح العمومية الحالية حاجيات مدينة بحجم مراكش خلال أشهر الحر؟ وهل يجد الجميع فرصة للاستفادة منها، أم أن الإقبال الكبير عليها يعكس حاجة إلى توسيع العرض العمومي؟ ولماذا لا يُطرح التفكير في إنجاز مسابح عمومية أكبر وأكثر قدرة على الاستيعاب، على غرار التجارب التي اعتمدتها مدن مغربية أخرى؟ وإذا كانت موجات الحر أصبحت تتكرر كل سنة، ألا يستحق هذا الواقع رؤية استباقية تجعل من توفير مرافق ترفيهية ورياضية عمومية جزءًا من التخطيط الحضري، خاصة لفائدة الأسر التي لا تستطيع تحمل كلفة المسابح الخاصة أو فضاءات الاستجمام المؤدى عنها؟
ويبقى المشهد الأكثر إثارة للتساؤل هو اضطرار عدد من الأسر إلى الجلوس بمحاذاة الطرق الرئيسية، في أماكن لم تُهيأ أصلًا لتكون فضاءات للترفيه أو الاستجمام. فمهما كانت دوافع هذا الاختيار مفهومة في ظل قسوة الحرارة، فإن وجود أطفال وعائلات بالقرب من حركة السير يثير تساؤلات مشروعة حول السلامة العامة. فهل من الطبيعي أن يصبح الرصيف البديل عن المنتزه؟ وهل يعكس هذا المشهد حاجة المدينة إلى إعادة ترتيب أولويات الاستثمار في المرافق العمومية؟ ومع اقتراب نهاية الولاية الحالية للمجلس الجماعي، يظل من المشروع أن يتساءل الرأي العام: هل سيحظى ملف المنتزهات الكبرى والمسابح العمومية بتصور جديد يواكب حجم المدينة وتطلعات سكانها؟ أم أن هذا النقاش سيظل يتجدد مع كل صيف، بينما يواصل المواطن البحث عن نسمة هواء نهارًا، وعن مكان آمن يجلس فيه ليلًا؟ إنها أسئلة يفرضها الواقع اليومي، وتبقى الإجابة عنها رهينة بالرؤى والخيارات التي ستتبناها الجهات المعنية في إطار نقاش عمومي يهدف إلى الارتقاء بجودة العيش، بما يليق بمدينة بحجم ومكانة مراكش.