Preloader Image
news خبر عاجل
clock
ثانوية الموحدين مراكش: بين المعارك "دون الكيشوتية" لأستاذ التاريخ والجغرافيا، سياسة الوعيد، ولغز المراحيض المغلقة والأشجار المقطوعة

ثانوية الموحدين مراكش: بين المعارك "دون الكيشوتية" لأستاذ التاريخ والجغرافيا، سياسة الوعيد، ولغز المراحيض المغلقة والأشجار المقطوعة

انتهى الموسم الدراسي، وانتهت معه الامتحانات والالتزامات التربوية التي دفعتنا سابقاً إلى التريث في تناول عدد من الملفات المرتبطة بثانوية الموحدين بمراكش؛ تفادياً لأي تأثير محتمل على التلاميذ، أو الزج بهم في نقاشات ومزايدات لم يكونوا يوماً طرفاً فيها. واليوم، وبعد أن وُضعت الأقلام وصُححت الدفاتر، نعود إلى هذا الملف، لا بدافع تصفية الحسابات الضيقة، وإنما انطلاقاً من قناعة راسخة بأن تدبير الشأن التربوي ليس "ضيعة خاصة"، بل هو شأن عام يخضع للنقاش العمومي المشروع، وأن المؤسسات ومسؤوليها مطالبون بتقديم الأجوبة، لا ممارسة "الأستاذية" في الهروب إلى الأمام.

ومن يدقق في ردود الأفعال الأخيرة داخل المؤسسة، يلحظ مفارقة تفجر الضحك؛ لقد انتقل النقاش بسحر ساحر من معالجة الاختلالات والقرارات المثيرة للجدل، إلى رحلة بحث "دونكيشوتية" عن الهويات. وبدل تقديم توضيحات شافية للرأي العام، انشغل البعض بالحديث عن "المسرب" ومحاولة تجميع خيوط مؤامرة وهمية، تاركين المضمون يغرق في بحر من التجاهل. والأكثر إثارة للتهكم الصارخ، أن المعني بالأمر انتفض داخل الفصل الدراسي ليعطينا درساً في غاية الأهمية الأكاديمية الكبرى، مصححاً للتلاميذ -بصفتهم الجهة المسؤولة عن منح شهادات الاعتماد الصحفي- بأنه "أستاذ للتاريخ والجغرافيا" وليس "الاجتماعيات"، وكأن هذا الفارق التخصصي العظيم سيمحو الاختلالات، أو كأن جغرافيا المؤسسة الحالية بأبوابها المغلقة وتاريخها القريب لا يكفيان لفتح مئات علامات الاستفهام! لعل "علاّمة التاريخ" اعتقد أن تغيير المسمى من اجتماعيات إلى تاريخ وجغرافيا سيغير من واقع الحال، متناسياً أن العبرة بالوقائع لا بالصفات، وأن التدقيق في التسميات لن ينقذ أحداً من جغرافيا الواقع المرير الذي تعيشه المؤسسة.

ولم يقف التميز والزهو عند حدود التخصص وفك شفرات الخريطة، بل امتد ليتدثر بعباءة النضال الكارتوني وتاريخ "التزيير" الحزبي، حيث أتحفنا المعني بالأمر باستعراض عضلاته السياسية وأمجاده الخالدة في ردهات المعارضة طيلة اثنتي عشرة سنة، مؤكداً لتلامذته ببطولة منقطعة النظير قدرتَه الفائقة على "تزيير عباد الله" وأن صحافياً لن يقوى على مجاراته أو الوقوف في وجه هذه الماكينة السياسية العتيقة. والواقع أننا كنا ننتظر من هذا "المعارض الشرس" المخضرم أن يُسخر هذه الخبرة "التزييرية" المعتقة لتطوير المؤسسة وتجويد خدماتها والمطالبة بحقوق التلاميذ، لا لتحويل قاعات الدرس إلى ملاحم شعبية لاستعراض النفوذ وتخويف قاصرين لا حول لهم ولا قوة، وكأن تدبير الشأن التربوي بات يُقاس بمنطق الوعيد والصراعات السياسية الضيقة، عوض الحوار والمسؤولية والقانون.

وتصل الكوميديا السوداء إلى ذروتها، وتتحول السخرية إلى إشفاق، حين يتم إقحام مؤسسة النيابة العامة في نقاشات الفصول الدراسية، عبر ادعاءات هزلية تتبنى سياسة الوعيد وتزعم القدرة على التنسيق مع وكيل الملك لـ "توزيع سنوات السجن" وصكوك الاتهام يميناً وشمالاً، بل ومنح صك الجاهزية لإعطاء عام من الحبس لكل من يجرؤ على السؤال، وكأننا نعيش في زريبة خاصة لا في دولة مؤسسات وقانون لها مساطرها الواضحة التي تحمي الجميع. إن محاولة تصوير القضاء الحامي للحقوق والحريات كسوط شخصي يلوح به "أستاذ الجغرافيا والتاريخ" لترهيب الأصوات الحرة، يعكس بؤس العقلية الإقصائية. أما الهروب السريع نحو شماعة "الجهات الخارجية" الجاهزة واتهام النوايا، فهو ليس إلا حيلة بائدة تعكس عجز من ضاقت به سبل الحجة والبرهان، فيحاول التغطية على واقعه باختراع معارك وهمية ضد طواحين الهواء.

وإذا أردنا النزول من سماء الشعارات والأمجاد الحزبية الخالدة إلى أرض الواقع الملموس داخل ثانوية الموحدين، سنصطدم بقرارات تجعلنا نتساءل إن كنا في مؤسسة تعليمية أم في ساحة لتصفية الحسابات مع البيئة والبنية التحتية؛ فكيف يعقل لمرافق صحية خضعت للإصلاح في بداية الموسم الدراسي، أن تُغلق مجدداً في وجه التلاميذ بدعوى "الإصلاح"؟ أم أن الإغلاق الحقيقي كان بداعي حجب الرؤية، خوفاً من أن تلتقط عدسات الهواتف تفاصيل أشغال بناء قاعة جديدة تراكمت مواد بنائها من حديد ورمل في ممرات ضيقة؟ ولم تتوقف عجائب التدبير عند إغلاق المراحيض وحظر التجويل بوضع حراس خاصين يرصدون التحركات "بالعلالي"، بل امتدت الأيادي البيضاء للمؤسسة لتطال الغطاء الأخضر عبر قطع الأشجار التي كانت توفر الظل للتلاميذ، وكأن تصفية الحسابات مع الأقلام والآراء الحرة امتدت لتشمل حتى الطبيعة، لينضاف إلى كل ذلك اللجوء غير التربوي لسلاح "نقاط الفروض" كوسيلة للضغط والعقاب، في ضرب صارخ لعمق الرسالة التربوية.

لقد اخترنا التوقف مؤقتاً احتراماً لمصلحة التلاميذ ومستقبلهم الدراسي، أما اليوم، فإن الملف لم يُغلق، والأسئسة التي طُرحت سابقاً ما تزال قائمة وتنتظر أجوبة واضحة ومسؤولة، بعيدة عن لغة التهديد أو الهروب إلى المؤامرات الخارجية وسنوات المعارضة. ستتواصل هذه السلسلة من المقالات خلال الفترة المقبلة، مدعومة بالمعطيات والوثائق والشهادات، تأكيداً على أن القضية لم تكن يوماً مرتبطة بمن تكلم، بل بما قيل، ولم تكن مرتبطة بمن نشر، بل بما وقع فعلاً خلف الأسوار. وبين السؤال والجواب، تبقى الحقيقة وحدها هي الهدف.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات