Preloader Image
news خبر عاجل
clock
العدالة المجالية في مقاطعة النخيل.. ثلاثون عاماً من التنمية بـ "سرعتين"

العدالة المجالية في مقاطعة النخيل.. ثلاثون عاماً من التنمية بـ "سرعتين"

عندما أُطلقت أولى المخططات التوجيهية لتأهيل مقاطعة النخيل بمراكش منتصف التسعينيات، وصولاً إلى إقرار تصميم التهيئة سنة 2000، كان الرهان المعلن هو خلق قطب سياحي عالمي يندمج مع محيطه البيئي والاجتماعي. لكن، ونحن نقف اليوم في عام 2026 لنقرأ حصيلة ثلاثين عاماً من هذا المسار، تبرز أمامنا حقيقة ساطعة لا يمكن إخفاؤها خلف أسوار المنتجعات الفخمة: لقد نجح الاستثمار المالي، وسقطت العدالة المجالية.

لمدة ثلاثة عقود، ابتلع النموذج التنموي للنخيل ملايير الدراهم من الاستثمارات، محولاً الأراضي البور والواحات إلى واحدة من أغلى الرقع العقارية في إفريقيا. غير أن هذا "الرخاء" لم يتسرب خارج الأسوار العالية (Résidences Fermées).

على بُعد أمتار قليلة من الفيلات الفارهة وملاعب الغولف التي تستهلك آلاف الأمتار المكعبة من المياه، تقبع الدواوير العتيقة والمحاذية كشواهد حية على إقصاء مجالي ممنهج. لقد خُلقت تنمية بـ "سرعتين": عالم أول يتمتع ببنيات تحتية فائقة الحداثة، وعالم ثانٍ يُكافح من أجل استكمال برامج إعادة الهيكلة وتوفير الحد الأدنى من المرافق الأساسية.

غالباً ما يُسوِّق المدافعون عن هذا النموذج لفكرة أن المنتجعات السياحية تخلق فرص الشغل لأبناء الدواوير المجاورة. لكن القراءة النقدية المتأنية تكشف أن هذا الإدماج كان إدماجاً "هشاً"؛ فمعظم فرص العمل المتاحة انحصرت في المهن الدنيا (الحراسة، البستنة، النظافة)، ولم تنجح في خلق ارتقاء اجتماعي حقيقي لساكنة المنطقة الأصلية. لقد تحول أبناء هذه الدواوير من "مُلاك أصليين" أو ورثة لمجال فلاحي تاريخي، إلى مجرد "يد عاملة رخيصة" تخدم رفاهية الوافدين الجدد.

التهيئة الحضرية التي شهدتها مقاطعة النخيل لم تكرس الفوارق في البنية التحتية فحسب، بل مارست نوعاً من "التهجير الناعم" لساكنة الدواوير. فالارتفاع الصاروخي لقيمة العقار، جعل الساكنة الأصلية تشعر بالغربة في عقر دارها، محاصرة بين فكي كماشة: قوانين تعمير صارمة تمنعها من التوسع الطبيعي لعائلاتها، وإغراءات سماسرة العقار للتخلي عن أراضيها بأثمان لم تعد تواكب جنون السوق.

إن التنمية التي لا تضع الإنسان في قلب معادلتها هي تنمية عرجاء. مقاطعة النخيل اليوم ليست بحاجة إلى فنادق إضافية، بل إلى التفاتة حقيقية تُصحح مسار ثلاثين عاماً من الاختلال. فلا يمكن الحديث عن "مدينة عالمية" في ظل وجود جيوب فقر وتهميش تعيش في الظل، تنتظر أن تسقط عليها ثمار طفرة مالية ظلت طوال ثلاثة عقود حبيسة خلف الأسوار العالية.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات