في وقت ينتظر فيه الجمهور المغربي من السينما الوطنية أن ترتقي بلغتها البصرية وتغامر فنياً وتقدم أعمالاً تبرر عناء الذهاب إلى القاعات السينمائية، يأتي فيلم "الخطابة" لعبد الله فركوس ليطرح سؤالاً صادماً منذ الدقائق الأولى: هل نحن فعلاً أمام فيلم سينمائي أم أمام عمل تلفزي طويل تم نقله إلى القاعات دون أي تحول جوهري في الرؤية أو الأسلوب أو أدوات السرد؟ فالمشكلة هنا لا تكمن في اختلاف الأذواق أو في نجاح الفيلم جماهيرياً من عدمه، بل في أن العمل يبدو عاجزاً عن إقناع المشاهد بأنه يستحق المساحة التي تمنحها له الشاشة الكبيرة. وكلما تقدمت الأحداث، ازداد الإحساس بأن السينما هي الغائب الأكبر في هذا الفيلم.
ما يثير الاستغراب أكثر أن عبد الله فركوس اختار خوض تجربة سينمائية كان يفترض أن تشكل محطة مختلفة في مساره، لكن النتيجة، في نظر عدد من المتابعين، جاءت أقرب إلى إعادة إنتاج الوصفة نفسها التي عرف بها في أعماله التلفزية السابقة. فالتصوير لا يقدم قيمة بصرية استثنائية، والحوار يستهلك مساحات واسعة دون أن توازيه قوة في الصورة، والإيقاع يفتقد في أكثر من محطة إلى الجاذبية التي تجعل المتفرج مندمجاً مع الأحداث. وهنا يبرز سؤال محرج: أين هو المجهود الإبداعي الذي يفترض أن يميز الفيلم السينمائي عن الفيلم التلفزي؟ وأين هي الإضافة التي تجعل المشاهد يشعر بأنه أمام تجربة جديدة لا مجرد نسخة مطولة من أعمال شاهدها سابقاً؟
الأكثر إحراجاً أن الفيلم يعيد إلى الواجهة نقاشاً ظل مطروحاً منذ سنوات حول بعض الأعمال التي تستفيد من فضاء العرض السينمائي دون أن تبدو حاملة لمقوماته الفنية الكاملة. هل أصبحت القاعة السينمائية مجرد مكان للعرض وليس فضاء لتجربة مختلفة؟ وهل يكفي حضور اسم معروف على الملصق الإشهاري حتى نتجاوز النقاش حول جودة العمل نفسه؟ وهل راهن الفيلم على شعبية عبد الله فركوس أكثر مما راهن على قوته الفنية؟ ثم كيف يمكن إقناع الجمهور بأداء ثمن تذكرة سينمائية مقابل عمل قد يخرج منه وهو يتساءل عن الفارق الحقيقي بين ما شاهده في القاعة وما يمكن أن يشاهده على شاشة التلفزيون؟
في النهاية، لا يبدو أن "الخطابة" نجح في الإجابة عن السؤال الأهم: لماذا اختار السينما؟ فلو جُرد الفيلم من قاعة العرض ومن صفة "فيلم سينمائي"، فما الذي سيبقى ليمنحه هذه الهوية؟ وهل كان العمل سيحظى بالنقاش نفسه لو عُرض منذ البداية كفيلم تلفزي؟ وهل أخطأ صناع الفيلم في تقدير حجم التحول المطلوب للانتقال من التلفزيون إلى السينما؟ أسئلة قد تكون قاسية، لكنها مشروعة أمام عمل ترك لدى عدد من المشاهدين انطباعاً واضحاً: أن المشكلة لم تكن في حجم الشاشة، بل في أن الفيلم لم يرتقِ إلى مستوى الشاشة التي اختار أن يُعرض عليها.