Preloader Image
news خبر عاجل
clock
قانون المحاماة أمام المحكمة الدستورية: هل انتصر الشكل على جوهر الدستور؟

قانون المحاماة أمام المحكمة الدستورية: هل انتصر الشكل على جوهر الدستور؟

🖋 الدكتورة:فتيحة الطالبي

قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة يستحق، في تقديري، نقاشاً قانونيا هادئا وعميقا، يتجاوز منطق الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، إلى سؤال أوسع يتعلق بحدود الشكلانية في الرقابة الدستورية.

فالمحكمة لم ترفض الإحالة لانتفاء صفة الجهة المحيلة، ولا لجهالة القانون موضوع الرقابة، وإنما قضت بتعذر البت فيها «على حالها» بسبب عدم إرفاق رسالة رئيس مجلس النواب بالنص النهائي للقانون كما تمت المصادقة عليه، معتبرة أن محل الرقابة غير متوفر بالصورة التي تسمح لها بممارسة اختصاصها.

وهنا تبدأ المفارقة القانونية الحقيقية.

ففي قرارها رقم 255/25 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، واجهت المحكمة وضعا قريبا؛ إذ لم تكن الوثيقة المرفقة بالإحالة هي الصيغة النهائية المعتمدة، ومع ذلك لم تجعل المحكمة من هذا النقص مانعا من البت، بل استحضرت الصيغة النهائية للقانون وانتقلت إلى فحص دستوريته.

وتزداد المفارقة أهمية إذا استحضرنا أننا، للمرة الثانية، أمام ما يمكن وصفه بـ«الإحالة البيضاء»؛ أي إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية دون أن تتضمن الإحالة طلبا صريحا بفحص دستوريته في مجموعه، ودون تحديد المقتضيات أو المواد المراد إخضاعها تحديداً للرقابة.

وبعيدا، في هذا المقام، عن مناقشة مشروعية هذا النوع من الإحالات وحدوده الدستورية، فإن اللافت أن إحالة قانون المسطرة المدنية وإحالة قانون تنظيم مهنة المحاماة تتشابهان إلى حد بعيد في بنيتهما وطريقة تقديمهما إلى المحكمة، ثم تختلفان اختلافا واضحا في المآل.

في الأولى، استحضرت المحكمة الصيغة النهائية للقانون ومارست رقابتها على الجوهر؛ وفي الثانية، توقفت عند النقص الوثائقي وقضت بتعذر البت.

فما الذي تغيّر بين الإحالتين؟

وهنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بوثيقة ناقصة، وإنما أيضا بالمعيار الذي يحكم تعامل القضاء الدستوري مع إحالتين متقاربتين في طبيعتهما وظروفهما، وبوحدة الاجتهاد الدستوري واستقراره وقابليته للتوقع حين تتشابه المقدمات وتختلف النتائج.

فإذا كانت الجهة المحيلة معلومة ومخولة دستورياً، والقانون محددا، وإرادة إخضاعه للرقابة صريحة، وكان النقص في جوهره وثائقيا قابلا للتدارك، فإن ترتيب أثر بهذه الخطورة عليه يظل محتاجا إلى نقاش فقهي وقضائي جاد، خاصة في ضوء السابقة المذكورة.

أما مجلس النواب، فمسؤوليته هنا أوضح ولا تحتاج إلى كثير اجتهاد.

فمن غير المقبول مؤسساتيا أن يُحال قانون بهذه الحساسية إلى المحكمة الدستورية دون إرفاق النص النهائي المطلوب مراقبته. نحن لسنا أمام ملف إداري عادي، وإنما أمام إحالة دستورية صادرة عن مؤسسة تشريعية يفترض فيها أن تكون أول من يلتزم بالدقة والصرامة في صناعة القاعدة القانونية واحترام المساطر التي يؤطرها دستور 2011.

لكن مسؤولية مجلس النواب لا تلغي سؤالا موازيا يفرض نفسه على قرار المحكمة:

إذا كان النقص في وثائق الإحالة هو وحده ما حال دون ممارسة الرقابة الدستورية، فلماذا لم يكتشف منذ بداية عرض الملف، ولم تدع الجهة المحيلة إلى استكماله قبل أن ينتهي الأمر إلى تعذر البت؟

فإذا كان العيب ماديا قابلاًط للتصحيح، فمن المشروع التساؤل عما إذا كان الأولى هو تدارك النقص حفاظا على ممارسة الرقابة الدستورية، بدل إنهائها بسبب النقص ذاته.

فالزمن الدستوري ليس مجرد أجل تقني، والمساطر الدستورية ليست غاية في ذاتها. وحين يؤدي تقصير وثائقي قابل للإصلاح إلى تعطيل فحص دستورية قانون كامل، فإن كلفة ذلك لا تبقى حبيسة العلاقة بين البرلمان والمحكمة.

فمن يدفع الثمن في النهاية؟

أليست حقوق المواطنين وضماناتهم الدستورية أول ما يصبح معرضا للضياع عندما تتعطل الرقابة بين تقصير مؤسسة في استكمال الإحالة وصرامة مؤسسة أخرى في ترتيب أثر هذا التقصير؟

المسطرة ليست ترفا شكليا، وإنما ضمانة لحسن سير المؤسسات وحماية الحقوق. لكن الخطورة تبدأ حين تتحول الوسيلة الموضوعة لحماية الرقابة إلى سبب في تعطيلها.

لذلك، فالقرار يضعنا أمام أسئلة تتجاوز قانون المحاماة نفسه:

كيف وصل ملف بهذه الأهمية إلى المحكمة الدستورية ناقصا؟

 ولماذا انتهت إحالتان متقاربتان في طبيعتهما وطريقة تقديمهما إلى نتيجتين مختلفتين؟

 ولماذا عولج نقص قريب بالتدارك والاستحضار في قرار سابق، ثم اعتبر اليوم مانعا من البت؟

 وهل وجدت المسطرة لحماية الرقابة الدستورية، أم يمكن أن تتحول إلى سبب في تعطيلها؟

أسئلة مشروعة لا تنتقص من مكانة المؤسسات، بل على العكس؛ فقوة المؤسسات الدستورية تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج اجتهاد واضح، مستقر، متماسك وقابل للتوقع.

فالرهان في النهاية أكبر من القانون رقم 66.23، وأكبر من الخلاف حول مهنة المحاماة.

إنه رهان سمو الدستور، وجودة التشريع، ووحدة الاجتهاد الدستوري، وحماية حقوق المواطنين من أن تضيع بين خطأ في المسطرة وصرامة في تطبيقها.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات