مِهنٌ تحمي أسرارها وصحافةٌ تشنق أبناءها.. عندما تتحول الأقلام الزميلة إلى مقاصل رقمية.
في أعراف النُّبل وتقاليد المهن الرصينة، يتحرّك "العصب الحَيّ" في الجسد الواحد عند الملمّات؛ فإذا ما كبا محامٍ، أو شُبِّه لعدلٍ أو موثقٍ هفوة، أو نُسبت لطبيبٍ أو مهندسٍ كبوة، تداعى له سائر قطاعه بالوقار والتحفّظ، والتمسوا له في زوايا الصمت حِصناً حتّى تنجلي الحقيقة بكلمة الفصل من القضاء. هنالك يُرفع لواء التكافل، وتُصان هيبة "البدلة" والصفة، إيماناً منهم بأن خدش فردٍ واحد في العشيرة، هو ثلمٌ في جدار القبيلة كُلّها.
إلا في "صاحبة الجلالة".. فقد استمرأ بعض أبنائها دور "الجلاد"، وتطوّعوا بنصب المشانق الافتراضية لزملائهم عند أوّل ريبة، ممتشقين أقلامهم كالخناجر لغرْزها في خاصرة رفاق الدرب، ومقايضين "الزمالة المهنية" بنقرات عابرة من "بوزٍ" رخيص، وإثارةٍ فجّة تُدمي وقار الحبر!
وإن عتبنا اليوم لعلى قدر محبتنا، ونقدنا هذا لا يسير إلا في ركاب التقدير لـمنبرٍ إعلامي نحترمه، هذا المنبر المراكشي المتميز الذي ظل لسنوات طويلة متنفساً دؤوباً لنا، وحاضناً يومياً نقرأ عبره تفاصيل مدينتنا ونبض وطننا بكثير من الثقة والاعتزاز. غير أن هذا الرصيد الطويل من التميز هو عينه ما جعلنا نتلقى مادتهم المنشورة بيوم 5 يوليو 2026 بمرارة كبرى؛ فحين يتعلق الأمر بتوقيف زميلٍ يشتغل بموقع "لوديسك"، غابت مساحات التحفظ ليحل محلها "صكّ إدانة" ناجز أهدر قِرينة البراءة في المبتدأ والخبر. لقد سارعت المنصة إلى دَقّ طبول العنوان العريض، جازمةً بـ*"حالة سكر متقدمة"* كأنها حكمٌ مبرم، ومقحمةً اسم مؤسسة إعلامية زميلة في "عاجلٍ" كان يقتضي الكثير من التريث وأخلاقيات الحذر.
الذاكرة المراكشية المشتركة لا تزال تحتفظ بمحطاتٍ عابرة واجه فيها البعضُ عواصف الشبهات، فكان خيارُ العقلاء هو "الصمت النبيل" والتحفّظ في انتظار كلمة القضاء؛ فكيف لِمن حظي يوماً بوقار هذا التريّث العاقل، أن ينسى تلك الحِكمة ويُسارع اليوم إلى إشهار مقصلة الإدانة المسبقة؟
ونحن هنا –وأيمُ الحق– لا ننصب أنفسنا قضاةً للمطالبة بخرق القانون، ولا نذود –ولن نذود أبداً– عن صحفيٍ خرق الضوابط، أو تجاوز حدود اللياقة والنظام العام؛ فالقانون سيفٌ مسلول على رقاب الجميع، والصحافة نبلٌ ومواطنة وقيم قبل أن تكون مجرد حِبر على بطاقة. وإننا لَنرجو صادقين، بقلوبٍ ملوؤها حسن الظن، أن تكون الواقعة برمتها مجرد "جرة قلم" غير مقصودة، أو "هفوة عابرة" في ليلة فرحٍ عارم بمناسبة انتصار وطني، كبوةٌ يُمحى أثرها ولا تُنهي مساراً طالما تميز بالعطاء.
لكن، وفي مقابل هذا الرجاء الصادق، يبقى العتاب المهني مشروعاً على منبر نحبه؛ إذ كان لزاماً.. ولزاماً مقدساً بقوة الأعراف، أن يُنشر الخبر بكثير من العقل والمسؤولية. إن اعتماد رواية أحادية الجانب كقرآن مُنزّه دون إتاحة الفضاء للرأي الآخر، وصياغة المادة بروح تخدش الصفة قبل أن تقول العدالة كلمتها، هو انزلاق لا نرتضيه لمنبر نعزه.
لقد آن الأوان ليعلم الجميع أن "الزمالة" ليست فقط مصطلحا لغوياً بل هي دِرع الوجود وبقاء الأثر.. فمن عجز اليوم عن حماية كرامة زميله ومؤسسته بحِبر الحذر، سيسقط غداً في فخ النمطية، وكيف لمن لا يحمي عشيرته بوقار الكلمة أن يَدّعي يوماً أنه يحمي حقيقة المجتمع؟!